“هو الذي خلق الموت والحياة”
إسماعيل شعبان
كل من يجلس يقرأ ويتدبّر في آيات وسور هذا القرآن العظيم الذي هو معجزة الله للخلق, والذي يخاطب فيه خطاباً مباشراً كل من له قلب وفكر يحمل التأمل والتدبر لا بدَّ وأن يجعله يقف منبهراً ومندهشا عند التمعُنِ في هذه الآية في سورة الملك آية رقم: 2 ” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملاً وهو العزيز الغفور”
آية فيها مدلولات علمية كثيرة والعجيب فيها انه قدّم الموت على الحياة, وكأنه خلق الحياة من رحم الموت, والأكثر عجباً ان الموت جاء في صيغة التذكير وامّا الحياة فجاءت في صيغة التأنيث, وهذا قد يلفت انتباه اللغوين لهذه الصيغة التي استعملت في هذه الآية, لكن بحثي وتدبري في هذه الآية هو البلاغة العلمية في موضوع الموت والحياة.
لو حاولنا تعريف المصطلحين: للموت وللحياة في ابسط تعريف, لكثرت وتعمقت وتشعّبت الآراء في هذا الموضوع الفلسفي العميق الذي يشمل كل حقيقة خلق الله الإنسان من أجلها. لكنني أقول: إن الموت هو الفناء والعدم, وأن الحياة هي النبض والحركة والحسُّ.
لو اردنا ان ندخل في عمق المعاني والتحليل لكلا الحقيقتين, لأنهما حقيقتين لا يمكن لعقل بشر ان ينكرهما: وكلٌ منا قد عاش ومارس فعلياً كلاهما: حين خُلِقَ وحين يأتي الوقت ليموت, وقد لاحظنا انه كيف جئنا من اللاشيئ او من العدم وهو الموت, ثم عبرنا منه الى الشيء الملموس والمحسوس وهي الحياة.
تعالوا نبحث ونتدبّر أكثر ونجعل آفاق فكرنا وتحليلنا يعبر بنا إلى أعماق هاتين الحقيقتين كلاً على حدة في محاولة للتفريق بينهما وتعريف مزايا وأسباب ومسببات كل حالة منهما حتى نصل الى حقيقة ما تقصده هذه الآية من تذكير وتأنيث لهما! لنبدأ بحالة او مصطلح الموت وكما قلنا انه الفناء والعدم, ولكن هذا الفناء وهذا العدم يختلف كلية عن نقيضته الحياة.
نحن لا نعرف حقيقته إلا بما أخبرنا القرآن عنه, وهذا في جوهره حقيقة علمية لا يمكن انكارها او عدم التصديق بها, لأننا عشناها بفقد أحباء وأعزاء لنا كانوا بيننا يضحكون ويلعبون وينبضون بالحياة وبعد فترة قد تكون قصيرة بالنسبة لكثير منا, أصبحوا تحت الثرى وذكرى عابرة كانت تتحرك وتعطي وتفرح وتحزن, وكأننا عشنا في نوع من الحلم: يراه الانسان ويعيش لحظاته, ثم يصحو فلا يجد شيئاً مما عاش ورأى.
الموت في حالتنا له اسبابٌ كثيرة, وكأن الآية أعطت صفة التذكير له حتى نقف عليها ونبحث في امر حالة الموت, ونبحث في عمقٍ عن مراحله واسبابه وعناصره المستخدمة حتى تكون حقيقته حقيقة. لو تأملنا في أسباب الموت لوجدناها كثيرة تنطبق على كل شيء فيه روح وفيه حياة: مثل الحيوانات وحتى الأشجار والنباتات التي لها دورة حياة ولها دورة موت وفناء.
من عوامل او أسباب الموت بالنسبة لنا والتي نعرفها ونمرُّ في بعض حالاتها: المرض, والقتل, والغرق, والحريق. ولهذا جاء الموت في صيغة التذكير وليس التأنيث لكونه يحمل كل هذه العوامل المختلفة التي يحملها ويودي بالحياة عن طريقها ومن طرق مسبباتها.
فالمرض الذي يصيب احدنا إما جزئي او كلّي:
المرض الجزئي الذي يصيب احد اعضائنا الجسدية التي تسكن داخل اجسادنا: كالقلب, الرئة, الكبد, والطحال, او احد الأعضاء الأخرى كالمخ او الدماغ في هذا الجسد الذي نلبسه من ماديات وعناصر عضوية وغير عضوية مختلفة. قد يتوقف القلب أو الكبد او الطحال او الدماغ فيأتي الموت مسرعاً ليلقف ذلك الجسد ويعيده الى ماضيه الذي جاء منه وهو الفناء والعدم والتفاعل مع تراب الأرض التي تكوّن منها في البداية, ثم بعدها كوّنه الخالق من نطفة من الماء بحوله وقدرته.
والعجيب في عملية الرحيل من الحياة الى الموت أنها عملية ليست معقدّة كعملية الخلق والتكوين الأول لنا في داخل أرحام أمهاتنا! هي عملية سريعة تطيح بالكيان الجسدي الذي كان يفتخر صاحبه به ويعطيه كل العناية والاهتمام, ويحاول رعايته وحفظه من أي مرض أو مصيبة وبكل الوسائل المتاحة. تراه خلال طرفة عين كان معك يحدثك وربما يسامرك, وإذا به يصبح جثةً هامدة لا حركة ولا إحساس ولا نبض فيها امام ناظريك, وكأنه كان وبعدها اصبح لم يكن!
اما المرض الكلي الذي يصيب معظم أدوات وأعضاء الجسد المهمة في مسيرة ورحلة الحياة, فقد يتعطل عن العمل معظمها لمرض ما, اوقد تتعطّلُ مجموعة منها. في هذه الحالة التي هي اسرع من الأولى في المسار إلى الفناء والعدم ودخول الموت إلى الجسد من اكثر الأبواب وذلك لخطفه وإخراج الروح منه حتى يكون بلا حركة أو حراك!
لكل هذه الأسباب التي توصلت إليها في هذه الفترة القصيرة من البحث والتدبُّر, اتضح لماذا جاء الموت في صيغة المذكر وليس المؤنث, الذي حمل حالات كثيرة من العناء والألم والأوجاع من خلاله هو, ولا تجد ذلك في عنصر الحياة. فالمرض والألم والعذاب الذي نحمله بين اضلعنا هو نابع من مصطلح وحقيقة الموت ولا علاقة له بالحياة, فالموت الذي لا بد منه والدخول الينا من خلال عناصره المتعددة ليقبض النسمةَ التي اودعها الله فينا لدورة الحياة!
امّا الحياة فقد جاءت في صيغة التأنيث لأنها مخلوق آخر فيها ليس ما في الموت من عذابات وآلام وصراعات مع الأمراض والمعاناة الطويلة التي قد تدوم عقودا, وتوقف تام كلي او جزئي لوظيفتها التي خُلِقـتْ لأجلها في أجسادنا. الحياة ليست كالموت: هي نبض وحركة وتفاعل مع كل أمور الحياة التي تحتاج إلى هذا النوع من عناصر الخلق الذي يختلف عن الموت. فالحياة بهجة وسرورٌ وفكرٌ ومشاعرفي كل جسد إنساني او حيواني فيه روح, او في كل نبتة شجر لها ثمرها وخصائصها وميزاتها المختلفة عن غيرها.
جاءت من خلال مزجٍ عبقري لعالم لا يمكن وصف علمه وقدرته إلا بالقول: كيف بدأ خلق الحياة في مادة هامدة جامدة زاوج بين ذراتها وعناصرها بطريقة حبٍ وإبداع يصعب وَصْفه من قِبَلِ عقولنا: زوجان التقيا على حب وانجبا من حب, فكان من خلال لقائهما دورة الحياة, وكذلك دورة الحياة مع كل حيوان ونبات!
الحياة لانحصارها في الحركة والعطاء والشعور والإحساس صيغت في هذه الآية بالمؤنث لأن الذي صاغها علم حقيقتها اكثر من الذي وُهِبَتْ له وأعطيت إليه, حتى يتمتع هذا المخلوق بها ويعيش مراحلها المختلفة التي فيها النبض والحركة والتفاعل مع كل ما يحيط بأجسادنا من موجودات فوق الأرض وفي الأرض وفي أعالي السماء.
الحياة صيغت بالمؤنث لأنها حوت كلَّ شيء فيه حركة ونمو وتفاعل, وكأنها الأم التي تحملُ في رحمها وتُرْضِعُ من ثديها. كان يجب أن تكون ف صيغة المؤنث ليعلمنا القرآن ان الأنثى لا تحملُ إلا الحب والرحمة ولا تعطي إلا الحياة, فأجزائها واحدة وهي العطاء بدون توقّف, صفة واحدة لم يحملها الموت الذي يحمل صفات كثيرة!
هذه هي البلاغة في التدبُّرِ في جوهر خلق الحياة والموت حتى يفهم القارئ المتدبِّر ان الذي صاغ العملية العلمية في خلق الحياة والموت هو لا يمكن ان يكون مخلوقاً لأنه حين كتب هذه الجمل القرآنية كتبها بمطلق علمٍ ومعرفة في بلاغة البيان والتركيب اللغوي في كل آية من سور هذا الكتاب المجيد!