إلى متى؟
بقلم: إسماعيل شعبان
2-20-2021
يا أيها الشعب الذي مزّقنه الطائفية والمذهبية والعنصرية! كفى وكفى ثم كفى أن تستمروا في هذه اللعبة القذرة التي فتت المجتمع الواحد, والشعب الواحد والأرض الواحدة!
هذا الداء السرطاني الذي استفحل في كل النفوس فدمرتم به بعضكم بعضا, وجعلتم من بعضكم بعضاً في المجتمع الواحد والشعب الواحد والوطن الواحد اعداءً وأصبحت الحدود الطائفية والمذهبية والعنصرية حدوداً جغرافية لها واقعها وحقيقتها على مدى امتداد هذا الوطن الواسع! رضيتم بالتجزيء وبالتقسيم وبالتفتيت وصرتم أدوات فصل وقتلٍ وتشوية لحقيقة هذه الأرض وطابعها الأيديولوجي والديموغرافي.
جعلتم ارضكم الجغرافية الممتدة من الغرب: حيث طنجة على ساحل المحيط الأطلسي, ومن الشرق: حيث آسيا والمحيط الهندي: ومن الشمال: حيث البحر المتوسط وأروبا, ومن الجنوب: حيث أفريقيا القارة السمراء. هذا الوطن الذي يقع في وسط العالم ولذلك هو الوسطية بين الشعوب والقارات الجغرافية لهذه الكرة الأرضية التي عليها يسكن عالم البشر والإنسان.
أصبح هذا الوطن أوطاناً: أقام ورسم له الاستعمار حدوده الذي ما زلتم تتنفسون بمشيئته وقدرته, وتفتخرون بلغته وتراثه وقيمه, حتى معتقداته التي أخذها من أجدادكم حين كان مستعمراً ورابضاً على صدوركم وعلى تراب هذا الوطن الكبير. رضيتم بتجزيء المجزئ, وتقسيم المقسّم وركضتم وراء أشباحٍ وقامات فاشلة عودتكم التجزئة والتقسيم والتفرقة في المجتمع الواحد!
لقد وصل الإنسان في أيامنا إلى الفضاء الخارجي: إلى القمر وإلى المرّيخ, وأنتم ما زلتم تتنابزون بالألقاب: يلعن بعضكم بعضا, ويكفِّرُ بعضكم بعضا, وتتصارعون على إرضاء من هم في الحقيقة أعدائكم وقبلها كانوا أعداء آبائكم وأجدادكم!
تجمعكم اللغة والتراث والتاريخ الذي تمتدُّ جذوره في أعماق هذه الأرض المقدّسة وفي كلِّ جانبٍ من جوانبها وفي كل ناحية من مناحيها, ولأنه على ترابها مشى الرسل والأنبياء والأولياء, وأجدادكم حملوا رسالاتهم ومبادئهم وتعاليمهم الخالدة التي نادت بالمحبّة والصدق والأمانة إلى كل ناحية من نواحي هذا العالم ألإنساني الواسع والمختلف.
لو كان في استطاعة هذه الأرض المقدّسة ومن خلال كل حبة تراب أو حصاة فيها ان تنطق وتتحدث إليكم لقالت لكم بكل أمانة ووضوح: “انتم لا تستحقون أن تمشوا على ترابي وتدوسوها بأقدامكم التي حملت كثيراً من أثار الخيانة والذُّل والهوان!” فمتى ستستيقظون وتعلنوا الرفض والعصيان على تلك الأمراض التي حملتموها لأكثر من قرن؟
رحم الله الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في القرن التاسع عشر حين في كتابه الاستعباد والاستبداد: ” يا قوم جعلكم الله من المهتدين! كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعاً لله وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعمين ولو بلقمة مغموسة بدم الإخوان. يا قوم! البهائم تودُّ لو تنتصب قاماتها وأنتم من كثرة الخنوع صارت أيديكم وأرجلكم قوائم!”
لقد حان الوقت وفي هذا الوقت بالذّات! حين ترون أن دول الاستعمار القديم الذي مزَّقكم من قبل ورضيتم أن تكونوا أعداءً لبعضكم بعضا, قد عاد من جديد كي يشهد ثانية ما صنع في العقود الماضية مصّراً على ما انتم عليه من تمزُّقٍ وفرقةٍ وخصامٍ واقتتال لكي تبقوا كما أراد لكم, وانتم سامدون وغافلون ومغيّبون عن الذي يحدث في وطنكم الكبير وأوطانكم الممزقة والمبعثرة, ومجتمعاتكم التي كادت ان تصير دولاً منفصلة كذلك والتي كانت منذ زمن ليس بالبعيد نبراسَ العلمِ والمعرفةِ والمحبةِ والوحدة!
أصبحت قوميتنا وبلادنا بلاداً وشعوباً كل منها يحمل هويته المنفصلة عن هويته الأصلية التي نقلها وحافظ عليها أجدادنا وأجداد اجدادنا طوال العصور الماضية, وحاول الكثير من الذين تشبّعوا بالحضارة الغربية ان يقنعونا ان سبب تخلفنا وتشرذمنا هو التمسك بالتراث الماضي من ديني وغيره, وان طريق الخلاص من الذي نحن فيه هو اتباع الغرب الذي لم يكن له في الأصل قوانين سماوية, بل كل قوانينه وضعية آنيّة ومتحركة: مرة نظام رأسمالي, ومرة نظام اشتراكي, ومرة نظام رأسمالي, ومرة نظام بيروقراطي, أو ديموقراطي, وغاب عنهم أن نظام ملك الأشوريون حمورابي كان اول من سنَّ القوانين الديموقراطية في مملكته التي حكمت كل أرض ميزوبوتاميا ارض ما بين النهرين منذ أكثر من عشرة قرون!
وفي هذه الأيام العصيبة أصبحت بلادنا بقوميات مختلفة: القومية اللبنانية, والقومية الشامية, والقومية الأردنية, والقومية المصرية, والقوميات المغاربية والقومية العراقية, والقومية الفلسطينية. أصبحت هذه القوميات بحدود وحكومات مختلفة ومتصارعة: احياناً تُغْلِقُ هذه الحكومة أو تلك حدودها أمام جمهور القوم الآخر لأي سبب من الأسباب! ولم يبق الحال على ما هو, بل زادت هوّة التمزق والتشرذم والانفصال المجتمعي بعضه عن بعض فأضيف إليها عنصر جديد حتى يباعد بين أجزائها ويمنع من تقاربها ووحدتها.
اضافوا إلى هذه المجتمعات وهذه القوميات المتناحرة عنصراً آخر وهو عنصر المذهبية والطائفية فصارت هذه المجتمعات مع تمزقّها وتفرقها وصراعها مجتمعات يطلق عليها: مجتمعات سنيّة, وشيعية, ومارونية مسيحية, ومسيحية كاثوليكية, ومسيحية بروتستنتية, ودرزية وعلوية وغيرها, وأصبحت هذه المجتمعات بعد أن كانت مجتمعاً واحدا صارت مجتمعات ينخر فيها الفساد والمحسوبية والرشوة والمحاصصة المقيتة, وبذلك اصبح من السهل ألتمكن منها وتمزيقها أكثر فأكثر!
لن يقف هذا المجتمع ولا أي مجتمع من المجتمعات الأممية والإنسانية على صراط صحيح طالما هناك هذه الأمراض والآفات, واصوات لقادة في مختلف المجتمعات ينادون بالطائفية والمذهبية والعنصرية!
عودوا إلى العقل والمنطق وابتعدوا عن استعمال المشاعر والغرائز المدمِّرة حتى يلتئم الجرح, ويلتمَّ الشمل, حتى تعودوا إلى إنسانيتكم التي أرادها لكم من خلقكم وفطركم عليها!
واختم بما قال احد شعراء الجاهلية الأفوه ألأودي حين ارسى في فلسفته حينها بناء المجتمع او المجتمعات قال:
“فينا معــاشِرُ لم يَبنـــوا لقــومِـــــهُمُ وإن بنى قومُهُمْ ما أفسدوا عادوا
لا يَرْشُدون ولنْ يَرْعـــوا لِمُـرْشِدِهم فالغيُّ منهم معاً والجهل ميعــادُ
والبيـــتُ لا يُبْتَــنى إلا لـــه عَمَـــــدٌ ولا عِمـــاد إذا لم تُرْسَ أوتــــادُ
فإن تَجـمّـــــعَ أوتــــادٌ وأعمِــــــدَةٌ وساكِنٌ بَلَـغوا الأمْرَ الذي كادوا
لا يَصْلُحِ الناس فوضى لا سراة لَهُمْ ولا سراةَ إذا ما جهّـالُهُمْ ســادوا
تُلْفى الأمورُ بأهلِ الرُّشْدِ ما صَلُحَتْ فإن تــوَلَّوا فبالأشْـــرارِ تَنْقــــادُ
إذا تــولّى سَــراة القــــومِ أمــرَهُــمُ نَما على ذاك أمْرُ القومِ فازدادوا
أَمارة الغَيِّ أنْ تلقــى الجَميــع لدى الإبرامِ للأمر والأذنـــــابُ أكتـــــــادُ
كَيْـفِ الرَّشـادُ إذا ما كُنـتَ في نَفَــرٍ لَهُمْ عن الرُّشْـــدِ أغــلالٌ وأقيادُ
أعطـوا غُواتَهُمُ جهـــلاً مقادَتُـــــهُمْ فَكلُّهُمْ في حِبـــال الغــيِّ مُنقــادُ
حان الرحـــيلُ إلى قومٍ وإن بَعُـدوا فيهم صَــلاحٌ لِمُرْتـــادٍ وإرشـادُ
فسوف أجعَـلُ بُعْدَ الأرْضِ دونكُـمُ وإن دَنَتْ رَحِــمٌ منكـمْ وميــلادُ
إنَّ النَجــاةَ إذا ما كُنْـتَ ذا بَصـــَرٍ مِنْ أجــةِ الغَيِّ إبعـــادٌ فإبعــــادُ