أزمة رئاسة الجمهورية في لبنان 

منذ أستقلال لبنان ونشأته كدولة في 22 نوفيمبر 1943 وبعد تفكك الدول في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية, وتحت مخطط سايكس وبيكو التقسيمي, حين قررت فرنسا وبريطانيا تقسيم الهلال الخصيب الشرق الأوسط الى دويلات صغيرة عندما وقع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس في نوفيمبر 23 – 1916 تقسيم كل البلدان التي كانت تابعة تحت سيطرة الدولة العثمانية.
فأصبحت دول المنطقة بعد أن كانت دولة واحدة اومحافظات تحت المظلة العثمانية, اصبحت مقسّمة ومشرذمة منذ ذلك الحين. وبدأت تنخر في أجزائها واقطارها أوبئة المذهبية والطائفية والعصبية القبلية. نجحت إستراتيجية الغرب حتى يومنا هذا في إفساد الشرق والقضاء على وحدته ومقوماته ومقدراته الطبيعية, واستغلتها دوله لبناء اقتصادياتها وتحديث نموها الإقتصادي في إحتلال كل دول الشرق الأوسط واستعماركل الأقطار في هذا الهلال الخصيب من الشرق ألأوسط.
لبنان حين استقل أنشأ دولة ديموقراطية لم يكن لها مثيل بين شقيقاتها في دول المنطقة, مع ان دستورها الذي وضعته فرنسا كان دستوراً مذهبياً وطائفياً قسمت به فرنسا الأدوار بين الطوائف الإسلامية التي منها السنة والشيعة والدروز والعلويين, وبين الطوائف المسيحية في عام 23 -أيار 1926 اثناء فترة الإنتداب الفرنسي وذلك بعد إقراره من مجلس الممثلين.
تم بموجبه إقرار الدستور والإعلان عن قيام الجمهورية اللبنانية بعد ان كانت تسمى منذ بدء الإنتداب بدولة لبنان الكبير. وفي 23 أيار 1926 أعلن هنري دي جوفنيل عن إبرام الدستور اللبناني وبمجيئ العام 1930 دخل الدستور اللبناني حيز التنفيذ حيث أعطيت رئاسة الجمهوربة للمسيحين الموارنة, واعطيت رئاسة الوزراء لأهل السنة المسلمين, واعطيت رئاسة البرلمان اللبناني للطائفة المسلمة الشيعية.
لا اريد ان اخوض في هذا الموضوع كثيراً فكتب التاريخ بهذا الخصوص موجودة ومن كَتَبَ دستور الجمهورية اللبنانية ووزع ادوار السلطات فيها موجود في الأرشيفات اللبنانية. لكن الذي يهمني ويشغلني في الفترة التي عشتها في لبنان ومع لبنان طوال الثمانية عقود من حياتي, وعاصرت كلَّ تقلباته السياسية والمذهبية والطائفية كان اكبر همي في كل هذا هو:
مكانة رئيس الجمهورية التي كانت تتمتع بكل السلطات.
كان هذا المقام العالي في الدولة اللبنانية عنده الصلاحية في حل البرلمان, والشروع في انتخابات جديدة يختار الشعب فيه ممثلين له جدد في برلمانهم. ثم كانت بيده السلطة والصلاحية ليقيل الحكومات ويلغيها ويطلب بتاليف حكومات جديدة تهتم بأمور المواطن وقادرة على عملها وتوفير مصالح المواطنين في الجمهورية اللبنانية.
تغير الحال في اوائل السبعينات وقت دخول البلد في الحرب الاهلية التي دمرت كل ما كان ديموقراطياً فيه, ودخلت الطوائف والاحزاب التي كانت هي عامل من عوامل الحرب الأهلية واسباب اخرى مهمة كثيرة لا اريد ان اخوض فيها لان هذا الموضوع ليس من تخصصي ولا في مجال اهتمامي.
أنا مصلح أجتماعي وارى ان هذا دوري ومهمتي في هذه الحياة, والإهتمام بما يعطي الناس الحرية والكرامة والعيش الكريم في اوطانها. وان تكون هي صاحبة الريادة والسيادة والقيادة, وليس الحزب او الطائفة او المذهب والعرق الديني او القومي.
لذلك أرى من مصلحة هذا الوطن العزيز والغالي من أوطاننا أن تعود الديموقراطية كان يتمتع بها والتي فقدها منذ عدذةِ عقود ماضية ويعود لبنان كما كان مثلاً رائعاً للديموقراطية الحقيقية والتعايش الطيب بين اطيافه التي عاشها لفترة قصيرة من عمره. حيث كان يمثِّلُ فيها المثل الرائع لكل الدول المحيطة حتى يُحتذى به.
بينما صارت واصبحت كل دول الجوار ديكتاتوريات في شكل جمهوريات, أو ممالك وسلطنات متسلطة وجشعة, وقامعة لكل حرية اعطتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية لكل شعوبها. أصبحت تفرض على شعوبها الإنتخاب قصراً على زعيم نَصَّب نفسه عليهم لمدى الحياة, او ملك أو أمير لا يُعْرَفُ من أين جاء ,ما هو أصله وحسبه!! واصبحت الدول المجاورة للبنان دول ديكتاتورية قاهرة ومذّلّةً لشعوبها, ومنكرة لحقوق شعوبها في الحرية والكرامة والعيش الكريم وحرية التعبير التي تعتبر مقدّسة في المجتمعات الغربية.
هنا لا بد أن أشير إلى هذه المقطة البالغة في الأمهية, والتي قد لا تخطر على بال مفكّر أو مصلح إجتماعي أو ناقد ومفكر وهي:
أن لبنان كان مثلاً رائعاً في المنطقة العربية في الحرية وخاصة حرية التعبير والنقد للحكومات ولأصحاب السلطة فيه, وكانت حرية الرأي من مقدساته ولم يكن القانون في تلك الحقبة من الزمن وخلال تجربته الديموقراطية القصيرة مما جعل كثيراً من الجمهوريات والممالك المحيطة تغتاظ لما تمتع به المجتمع اللبناني تحت قانون الحماية الشخصية لأفراده وحرية التعبير التي كانت ركناً من أركانه, حيث لجأ إليه كثير من اشخصيات التي كانت معارضة لحكوماتها في تلك الحقبة من الزمن, فرأت حكومات تلك الدول بمساعدة الغرب الذي كان يدعمهم ويقوي من سلطتهم.
فقدبدأوا مشوار التدمير والخراب في بنيان مجتمعه وصورة تعايشه الرائعة, فتآمروا على البدء بتمزيق وتشويه صفحة مجتمعه الناصعة, واغتاظوا منه ووضعوا الإستراجيات المختلفة في البدء في تدميره وتفتيت نسيجه الإجتماعي. ثم عملوا على تقليص رئاسة الجمهورية من صلاحياتها وجعلوها فاقدة لكل صلاحياتها التي منحها الدستور الذي أُسِسَتْ عليه منذ عقود في إتفاق الطائف في أبريل 1989وجعل لبنان جمهورية برلمانية, اي انه لا صلاحيات لرئيس الجمهورية. هذه الورقة التي اودت بتلك الشرعية والصلاحية لرئاسة الجمهورية اللبنانية. فجعلوا رئيس الجمهورية عبارة عن موظف يوقع المواثيق والمعاهدات الدولية حين يوافق عليها البرلمان, فهي مشروطة وليست دورية, وجعلوا الكتل الطائفية والمذهبية هي التي تملك قرارات الشعب فصح أن يطلق عليها بالتديكتاتورية المذهبية والطائفة في لباس الديموقراطية. وحاولوا جعل الرئيس يسير على وجهة نظر معينة وفي إتجاه معين, أو لمصلحة خاصة بعينها.

أو أن يُمَدَّدَ له في البرلمان حسب الشروط والضغوط الدولية ومصالح الخارج التي تملى عليه وتحدد سياسة لبنان الخارجية والداخلية.
من خلال كل هذه الأسباب تمَّ تعطيل هذا الدور لرئيس الجمهورية لان الطرف الفلاني او الحزب الفلاني, أو الطائفة الفلانية أو الإتجاه المعارض الفلاني عطّل هذا الدور لسبب أو لآخر, حين عطّل الدورات البرلمانية في انتخاب مثل هذا الرئيس الخالي من اية صلاحية. وبناءً على هذه النظرة في الحكم في كل الدول المجاورة إن كانت جمهورية, أو ملكية أوأميرية واصبح كل رؤساء الجمهوريات والملوك والامراء في الدول العربية المجاورة لا يتزحزحون عن مقام الحكم في ذلك البلد ولا يتنازل عن السلطة إلّا بانقلاب عسكري له أيادي خارجية لم يعد لها مصلحة في وجوده, أو في إحتلال عسكري غربي مباشر, أو بثورة شعبية أكلت الأخضر واليابس في طريق تحقيقها.
للخلاص في لبنان من هذا النظام الجائر يجب أولاً في هذه الحال:
1 – تنقية وتصفية النوايا والأفكارالتي تأجج الصراعات والخلافات القديمة.
2 – بناء جيل جديد عنده الثقافة الوطنية والإنتماء للوطن وليس للمذهب أو الطائفة.
3 – الإستفادة من كل تجارب الماضي وتوحيد الجبهة الوطنية اللبنانية في الخروج من الازمات الداخلية والإتحاد العام في توحيد البوصلة في من هو العدو ومن هو الصديق.
4 – نزع الطائفية والمذهبية من نفوس الناس والإستفادة من تجربتهم حتى تخرج الأجيال الجديدة من تلك الزاوية التي دمّرت البلد وشتت شمله, وفرقته ومزقته حيث جعلت من كل حزب وطائفة ومذهب فيه عدواً للآخر.
لو وجدت هذه الأرضية الصالحة عندها يكون لبنان قد خرج من أهم وأعتى الأسباب التي منعته أن يكون كما كان من قبل, وان يكون في مصافي الدول الديموقراطية مثل تونس والجزائركبدان عربيان, و:امريكا والدول الاوروبية.
في الدول التي تنتهج الديموقراطية رئيس الجمهورية فيها ينتخب من قبل جمهور الشعوب وليس من قبل البرلمانات. حتى ولو كان في تلك الدول أحزاب لها إتجاهات مختلفة, كما هو الحال في كثير من الدول الغربية التي كانت تحت منظومة الدول الإشتراكية أيام الإتحاد السوفيتي.
أما في لبنان الذي أسس نظامه ألدول الإستعمارية على مذهب الفرقة والتباعد والإنتماء القبلي والمذهبي والطائفي, بحيث أصبح دستوره دستوراً يدعو ويؤسس على الطائفية والمذهبية بين الشعب اللبناني الواحد. قسموا هذا الشعب الفنيقي الكنعاني الأشوري العربي إلى عدة شعوب كل ينتمي إلى مذهبه وطائفته وليس لتراثه ولغته وعلاقة الدم التي تربطهم مباشرة مع بعضهم البعض منذ دهور التاريخ.
أصبحت مساحة ألأرض الواحدة التي يطل عليها الوطن الواحد الذي تعيش عليه تلك الطوائف المتناحرة على السلطة: فالسني يحتاج إلى أفرادٍ من طائفته حتى يمثلوه في الحكومة, وكذلك بقية الطوائف من الموارنة والشيعة والدروز والطوائف الأخرى في المجتمع اللبناني.
كلها الآن تتصارع على بقعة جغرافية صغيرة جداً وكأن كل طائفة وكل مذهب من مذاهبهم لا ينطق بالعربية الحبل الرابط لكل شعوب المنطقة, وكأن وحدة الدم العربي الذي يجري في عروق كل فرد من أفراد هذه الطوائف ليس كافياً وليس عنصراً قوياً وجامعاً كي يلتف حوله كلهم بدل عمود المذهبية والطائفية الواهن والمدمّر للمجتمعات. وبواسطته استطاع اعدائهم أن يدخلوا منه إليهم كي يفرقوهم ويفتتوهم ويبعثوا بينهم الكراهية والحقد والحروب الطائفية والمذهبية المدمِّرة.
كذلك التاريخ الممتدة جذوره في أعماق الأرض اللبنانية العربية ليس كافياً لتوحيدهم والتأمل في أن أصلهم وجذورهم الإنسانية تعود إلى جذورأجدادهم وآبائهم الذين كانوا ‘خوة مرّ العصور ولم يحملوا لواء المذهبية والطائفية بهذه الحدّة والتطّرُّفْ. بل كانوا ينتمون فقط للوطن واللغة والتاريخ, لأن العقيدة في جوهرها لم تكن أداة تفريق وتشتيت بل كانت أداة حبٍّ ووحدةٍ وتضامن وفهمٍ لمعاني الحياة ومعاني الإنسانية التي يندرج تحتها كل إنسان عنده حسٌّ ورؤيا وحب لوطنه وساكنيه!
فالطريقة الوحيدة التي يمكن للبنان الجميل وارضه المقدسة ان يخرج من ازمة رئاسة الجمهورية هو أن يقوم الشعب بتعبئة عامة وبصوت واحد على نزع الطائفية والمذهبية, وعلى أن يكونوا هم مصدر السلطات كما هي أصول الديموقراطيات في العالم المتحضر.
وان يطالبوا بوضع هذا المطلب الرئيسي الذي ينادي:
1- بإنتخاب رئيس الجمهورية من قِبَلِ الشعب, وليس من قِبَلِ أعضاء البرلمان الذين ينتمون لأحزابٍ وأهواءٍ وانتمآت مختلفة, حتى لا يتعطَّل دور الرئيس ويكون شرطاً لقبول اعضاء البرلمان ألذين هم منتخبون من الشعب.
2- وأن يعطى الرئيس المنتخب كل الصلاحيات الدستورية التي جُرِّدَ منها في مؤتمر الطائف 1989 حتى تعود الديموقراطية الصحيحة وليس التوافقية بين افراد المجتمع اللبناني الواحد.