!مَنْ يُحِبُّ لُبْنانْ 

                             بقلم: اسماعيل شعبان

وجْهَةُ نَظَرٍ وتَأَمُّلٍ عسى أنْ تكونَ نافعةً وفيها موعظةً وخارطةَ طريقٍ لمن يَدَّعُونَ أنّهم يُحبون لبنان. لأن كلمةَ (حُبّ) ليس لها حدود في ألتعريف, وتختلف من شخص الى اخر ومن مجتمع لأخر. لهذا أُريد أن أُسَلِّطَ ألْضَوْءَ على هذه الكلمة التي هي جوهر الانسان وعنوان إنسانِيَتِّة.

تعالوا نُحدِّدُ ونُحاول أن نُعَرِّفَ كلمة الحب! لا أُريد أن أذهب إلى مراجع اللغة أو إلى علم النفس, أو إلى أيِّ مرجعٍ ديني. أُريد أن أقولها كما أفْهَمُ من تعبيرٍ وتعريفٍ حسب ما عَرَفْتُه وعِشْتُهُ من خلال سنين العمر الطويلة, والتي أعطتني ومنحتني الكلمات القصيرة في تعريف الحب. الحب هو شعورٌ واداءٌ في مفهومي. قد يكون هناك بين عقول ومفاهيم البشر تعريفات أُخرى قد تَعْلوا وتَسْموا أكثر من مفهومي لها, ولكني أريد أن أرسلها بمفهومها ألبسيط والفطري الذي يفَهِمَهُ أو فَهِمَهُ عامّةُ ألناسِ وخاصَّتُهم.

الحبُ: شعورٌ وَأداءٌ, تضحِيَةٌ وعَطاءْ: كيف يكون ذلك؟

الحب شيءٌ فَطْري أوْجَدَهُ الخالق في َأعماقِ الرّوحِ البشريةِ ولها إتجاهان:

إتِجاهٌ إنساني: هو حبُّ الانسان للإنسان, وحبُّ ألأرض والوطن الذي يعيش على تُرابه كل فردٍ من ألأُسرةِ الإنسانية.

والإتجاهُ الثاني والأَهَمْ: هو حُبُّ منْ صَوَّرّكَ وكَوَّنَكَ وخَلَقَكَ وأبْدَعَكْ.

الذي يهمني في هذه ألرسالة أو ألمقالة هو حبُّ ألإنسان للإنسان وحبُّ ألإنسان لوطنه وأَرْضه ألتي يعيش عليها, وعاش عليها أجداده وأبآئه منذ الاف السنين. الحبُّ الذي هو جوهري في تكوينه وأصيلٌ في تَعْبيره ونَشْرِه, والمحافظة عليه حين يَنْزِعُ ألواحِدُ فينا ثوب ألأنانيَّةِ عنه. بل ويُفْرِغُ روحه ووجدانَهُ وعقله منها حتى يُفْهَمَ معنى الحبّ الحقيقي.

ألكل في ألوطن الحبيب لبنان يَدَّعي أنّه يُحِبُّ هذه البقعةِ المقدسة والهالة الإلهية التي حبى الواجد هذا البلد بها من جمال في الطبيعة والمناخ! فلكي نَعْرِفَ الذين يَدّعون انهم يحبون لبنان, والذين ينافقون في حُبِّه وخَداع ألآخرين في حُبهِّ, تعالوا لنرى حقيقةَ كَمْ أَحَبُّوهُ؟ وكيف أَحَبّوهُ؟ وكَمْ همْ يُحِبّونَه؟

كما قلت من قبل, أن الحب هو عبارةٌ عن شعورٍ وأداءٍ وتضحيةٍ وعطاءْ! تعالوا لنرى مَنْ أعْطى لبنان بهذا المفهوم الفطري, ومن لم يعطه بل اخذ منه. ولا أُبالغ حين أقول أنه حَرَمَهُ وسَرَقَهُ ونَهَبَه، بل تآمر عليه وخان أَبْسَط َمعاني وعناصر ألحب الأربعة ألتي ذكرتُها: شعورٌ وأداءْ، عطاءٌ وتضحية.

تعالوا نطوف في هذه الرِّحلة خلال ألحب ألحقيقي ألصادق ومع رحلة ألشعور:

الشعور هوألحسُّ ألعميق ألذي يلُّفُ ألروح ويِسْكُنَ في أعماق ألوجدان بالإنتماء والإفتخار والإنتساب إلى بقعة من الارض تسمى لبنان, ونسمّيها كلُّنا الوطن. هذا ألوطن إن لم يكن للفرد الذي يعيش على ترابه انتماءٌ وجدانيٌ وشعورٌ بالفخر أنه هو جزءٌ من تُرْبته ومن سمائه ومائه, فقد إنْعَدَمَ أول عنصرٍ من عناصر الحب, بل خطوةٌ اولى لهدم ذلك الشعور.

الشعور: هو الإنتماء والإفتخار إلى بقعة من ألأرض تُسَمّى لبنان. إن لم يكن للفرد ألذي يعيش على ترابه إنتماءٌ روحي ووجداني عميق, وشعورٌ بالفخر أنه هو جزءٌ من تُرْبته وأنه سحابةٌ من سمائه, وقطرةٌ من ماء نَهْرِه وبَحْرِه. إن فُقِدَ هذا من ألفرد فقد إنعدمَ أول عنصر من عناصر ألحب, بل هو خطوة أولى لهدم ذالك ألشعوروالإنتماءْ ألذي يلُّفُ مَبْدأَ الوطنية والإنتماء إلى ألوطن لبنان, لانّه بدون وطنية تنْعَدِمُ ألكرامة, ومعها يَنْعَدِمُ ألمبدأُ والهَدفْ. لهذا حين يكون عند ألواحد منّا هذا ألفيصُ من ألشعور في ألإنتماءِ يجعله يرتَقي إلى ألخطوات ألتالية للحبِّ وهي: الأداءُ والعطاءُ والتضحية.

الشعور ألوطني الحسّي والمعنوي لهذا ألعنصر ألمهم للحب هو ألذي يجعل ألفرد يتربّى على حبِّ وطنه والإستعداد لدفع ما يكون من ضرائب مادية ومعنوية حتى يحميه ويدافع عنه بكل وسيلة متاحةٍ من أن تدوسه أقدام الأعداء أو أن يحتله خسيسٌ أو خائنٌ أومَدْسوس.

الشعور هو شيئٌ فِطْري يُخْلَقُ مع الانسان وينمو حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, إن توفرت هذه الظروف بمواصفات راقية ونَبْذٍ للذّات, وترويض النفوس على قَتْلِ الأنانية وَوَأْدِها في النفوس, سترى أجيالاً راقيةً في الذّوق وفي التصُّرف وفي مفهوم الحب. الطائفية والمذهبية هي قتّالةٌ لهذا المبدأ, لأن الإنتماء والشعور الحقيقي للوطن لم يعد للوطن وساكني الوطن, بل أكبر همّها في هذا ألاتجاه من ألشعور هو بإتجاه مَذْهَبِه وحزبه وطائفته. , وليس بهذا تُبني ألدول إن أرادت أن تكون دولة فيها العدل والمساواة والشعور بالحب الذي يَلُفُّهُ الشعور بالمسئولية .

أمّا عامل ألأداء من الحب: فهو الذي يُبَرْهِنُ فيه ألفرد في ألمجتمع والحديث هو عن المجتمع اللبناني ألذي ينتمي إلى قومية عربية في شمولها وجوهرها والتي فيها تجتمع كل مقومات هذه القومية من لغةٍ وتراثٍ واعرافٍ وتاريخٍ مشتركٍ عبر القرون. وهذا يجب أن يعطي بل يُوَلِّدُ في ألإنسان اللبناني حُسْنَ ألأداء في مجالات ألحب وقد نَفَضَ عنه غُبار الطائفية والمذهبية, وأرسى قواعد ألأداء لوطنه وشعبه حتى يرقى مُجْتَمَعَهُ إلى درجة الفَضْلِ والإحسان والعدل والمساواة.

السياسيون ألذين حكموا لبنان منذ إستقلاله لم يكن أحداً فيهم من ملَكَ او يملك أيَّ مُقوِّمٍ من مقومات ألحب لهذا الوطن وهذا الشعب. لأن (ما بُنِيَ على باطلٍ فَهُوَ باطل), وقد يكون مدمرا. ألإستعمار الفرنسي ترك لبنان بعد عده سنوات من إحتلاله ألعسكري, وترك فيه فِخاخاً كثيرة كلُّها بعيدة عن جوهر الحب ومعانيه. خلق مجتمعاتٍ طائفيةٍ ومذهبيةٍ تُوَزِّعُ حِصصُ ألوطن فيما بينها وما زالت تُوَزَّعُ على مدى قرن من الزمن. ترك خلفه زعماء وقادة أحزاب وطوائف, كان وما يزالُ جُلَّ هَمِّها ليس الوطن والمواطنين, بل كم يستطيع أن تنهب وتتسرق! ويكون لها تأثير في جميع ألساحات ألاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فكل من هذه الطوائف والاحزاب والمذهبيات قَسَّمَتْ كلَّ لبنان كما أرادته لها ولهم فرنسا. فدخل المجتمع اللبناني في نَفَقِ ألأعاصير والهَزّات ألإجتماعية ألمُدَمِّرة والتي كادت أن تودي به وبساكنيه, وابقته رهيناً للظروف ألسياسية والإقتصادية في دول ألجوار وفي ألمنطقة ألتي وُجِدَ فيها, وفي حالة استنفارٍ دائم لما قد يقع من تجاذبات إقليمية مختلفة تكون ألساحة أللبنانية فيه هي ألركيزة ألاولى. خاصة حين حمل هذا ألبلد الصغير بجغرافيته ألكبير في تحدياته ووقوفه أمام أي إعتداء أو محاولة غَزْوِه والسيطرة عليه. لهذا أصبح هدفاً رئيسياً للإختراق ومحاولة تمزيقه وتفتيته, ظنَّاً من ألغرب أنهم أسّسوا فيه سرطان ألطائفية والمذهبية ألتي قد يحتاجون إلى إثارتها فيه للعبور من خلالها إلى مخططاتهم واستراتيجياتهم لحماية الكيان ألذي زرعوه على حدوده. ظنّاً منهم أن هذا ألبلد ألذي ظنوه ضعيفاً وهزيلاً لا يستطيع ان يقف أمام مخططاتهم ألإستعمارية من تدمير ألمنطقة وتفتيت ما هو مفتت فيها, حتى يسهل لهم السيطرة ألكاملة عليه وعلى ألوطن ألكبير, وتمرير كل مخطّطاتهم لسلامة ألإقامة والقبول لدولة ألصهاينة التي هي على حدود الوطن أللبناني.

كان أداء كل الطوائف بدون استثناء, هو أداءٌ طائفي ومذهبي محقون بالكراهية القاتلة بين كلِّ طوائفه. إنَّ اي مجتمع لا تجد فيه عنصر ألأداء الإنساني ألصافي والإخلاص في هذا ألأداء من غير تفرقةٍ او نَبْذٍ لأيِّ فريق سيبقى مجتمعا متهالكاً ضعيفاً هزيلاً تلعب فيه رياح التغيير الفاشلة والمُدَمِّرة.

فالأداء إن لم يكن فيه ألإخلاص وفيه الحسُّ الوطني والإنتماء ألراسخ إليه بكل ما فيه من اختلافات, فلن يكون له أيّ خطوة الى التقدم والإزدهار والمساواة بين افراد المجتمع, لان هناك محسوبيات وَوَجاهاتٍ، وحِصَصٍ مخصصةٍ لكل طائفةٍ من ألطوائف ولكل مذهب من ألمذاهب.

والأداُء يشمله حقيقة من هو العدو ومن هو الصديق! لان في مفاهيم ألأعراف الشرقية وفي مجتمعاتها المقولة التي تعتبر عن عنصر ألأداء: “(عَدوّ عَدُوّكَ هو صديق، وصديقُ عَدُوّكَ ماذا يكون غَيْرَ عدو!)” ولو كان من أهل بيت الفرد وأقرب الناس إليه. فالأداء حين يكون مُكْتَمِلاً ومَبْنِيَّاً على فَهْمِ كل ما يدور وما يحدث, يكون المجتمع ككل في وحدةٍ شاملةٍ وعامةٍ في التعامل مع العدو والصديق. لأنه ليس منطقيا أن العدو والصديق في اي مجتمع يتساويان في أداء الفرد في المجتمع على أساس العداوة والصداقة. فالعدو هو العدو, والصديق هو الصديق حتى يَتَغَيَّرَ أو يَتَبَدَّلَ في أدائِه في جوهر الحب الذي يَجِبُ أن يجتمع عليه كل أفراد المجتمع وبشكلٍ خاص المجتمع اللبناني.

وألأداء هو ألتَدَخُّل ٌفي مسارات السياسة الداخلية والخارجية وحبُّ الوطن بكل عوامله وعناصره ومقوماته ويكون هو الطريق والسلوك الذي يتجه السياسيون إليه في الداخل والخارج حتى يكونوا أمثلةً رائِعَةً في ألأداء, وحتى يثق المجتمع بهم. فان كان أداؤهم هو لمصلحتهم الخاصة أو مصلحة فريقهم او طائفتهم او مذهبهم، عندها يختل توازن ألأداء هذا والذي هوعنصرٌ هام من عناصر الحب.

فكلما كان أداءُ السياسين في لبنان شريفاً وطنياً وإنسانياً, وأدائُه وولائُه للمجتمع اللبناني وللوطن أللبناني ككل, عندها تبدأ في التلاشي والزوال كل اسباب ألدمار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وكما قال اجدادنا:” العدل اساس الملك” فكيف يكون العدل إن كان اللصوص وتُجّار المصالح الشخصية هم من داخل المجتمع؟

من يحب لبنان هذا الوطن الجميل البديع يكون أَداؤُه في أيِّ مجال يوجد فيه أداءً مُخْلَصاً وصالحاً وأميناً على كل ما أُعْطِيَ له من صلاحياتٍ او أُوْكِلَ إليه من مسؤوليات.

أمّا ألعنصر ألثالث وهو ألعطاء: فهذا لا يمكن أن يكونَ في الشخصِ إلّا إذا فُطِرَتْ روحهُ ونفسيّتُهُ عليه, والعطاء هو أهَمُّ عنصرٍ من عناصر الحب لأنه هو البرهان على ألإخلاص والوفاء للوطن ولساكنيه. فكلما زادَ عطاءُ ألفَرْدِ أو المُتَسَلِّمِ للمسئوليةِ مهما كَبُرَتْ أو صَغُرَتْ, كلما كان هذا الفرد َمحَطَّ أنظار كلِّ المجتمعِ وعُنوان مَحَبَّتِهم وتقديرهم واجلالهم واحترامهم. العطاء له وجوهٌ كثيرةٌ منها المادية ومنها المعنوية ومنها الفدائية التي لا تكون إلّا بالنفس في سبيل المجتمع والدفاع عنه.

ألعطاء ألمادي: هو أن يستثمر ألفرد في وطنه ويبني ألمؤسسات ألثقافية والصحّية والصناعية والزراعية, يبني المصانع المختلفة ويحاول أن يُطْعِمَ شعبه من محاصيله الزراعية, ويلبس من منتوجاته وصناعاته, ويرفع من قدراته ألذاتية في كل مجال. حتى يكون المجتمع عنده ألقدرة على التكيف مع أمور الحياة المعيشية وفي تكافئ ألفرص في كل ألمجالات, ورفع مستوى المعيشة والقضاء على الفقر والجهل ولا يمكن ان يكون ذلك إلّا بالعطاء. ولا يمكن أن يكون بسرقه أموال ألناس وشراء ذممهم بمال ألمُفْسِدْ والإنتهازي ألذي يبخس الناس اشيائهم أو يسرق اراضي الناس المحتاجين. بل يكون في إعطائهم كل ما يحتاجون إليه للبقاء في أرضهم و في ممتلكاتهم. ولا يكون بتأجيج مشاعر الناس ضد بعضها بعضا, فيتخذ فريقاً من الناس يُدْخِلَهُم تحت عَباءَته وتحت مسئوليته ليكونوا شهداء زورٍ له يوم تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجوهْ. بل يكون عادلاً مُنْصِفاً وأن لا يكون أداةً من أدوات الخارج وقد مَوَّلَهُ َمنْ لا يُحِبُّ الخير لبلده كي يَعْبَث في حياة الناس ولُقْمَةَ عيشهم. والعطاء لا يمكن أن يكون بالمحسوبية والانتهازية, كالذي يشتري بماله ألسِلَع ألمختلِفةَ ويُخَزِّنَها ويبقيها في مستودعاته حتى يحين الطلب عليها ويكثر, ثم يخرجها ويبيعها بالسعر الذي يريد.

والعطاءُ ليس أنْ تَكْتَنِزَ الملايين وتُرْسِلَها إلى بنوك الدول المختلفة كاستثمارات خارجية قد تُدِّرُ على المستثمر اموالاً طائلةً، لكنها خارج حدود وطنه ولا يستفيد منها شعبه وقومه. فكيف يكون هذا عطاء! العطاء هو أنْ تُنْفِقَ ما أُعْطيتَ من قُدْرَةٍ ماديةٍ على المجتمع الذي تعيش فيه وتنتمي إليه, وتَشْرَعُ في استثماره بإيجاد فُرَصِ عملٍ ومَصادِرَ رزقٍ لأفرادِ مُجْتَمَعِكْ والتخلص من حالات الفقر والعَوِزْ الذي يعانيه لبنان وكل المجتمعات التي من حوله من دول ألمحيط. ألتي وضعت مؤامرة سايكس وبيكو بينها الحدود المصطنعة وأرادت لكل دولة من دول المشرق العربي ان يكون كياناً خاصاً مستقلاً عن بعضه ألبعض, وهذا مازال موجوداً بل ومُشَجَّعاً عليه أن تكون ألامةُ الواحدة عِدَّةَ أُمم! كما هو ألحال في لبنان عِدَّةُ دويلاتٍ وطوائفَ لكل واحدة من ألطوائف تقريباً عاصمتها وكيانها المستقل وزعيمها الذي تتلقى منه ألطائفة أو ألحزب أوامرها ومعاشاتها.

ألعطاء لا يمكن ان يَسْتَثْني أحداً مهما كان! وبأيِّ مفهوم كان! أو بأيِّ إتجاهٍ كان!. فالعطاءُ الصادق أعْمى لا يَرى إلّا طريق الخير والحقِّ والصلاحِ والرفاهية للجميع. فالذي يملك ألمال وعنده قصورٌ ورجالٌ يأتَمِرونَ بأَمْرِهِ هو ليس بمعطي, بل هو انتهازي ومُحْتَكِرٍ لما لديه, يستعمله لخدمة مصالحه الخاصة حتى يستميل أو يشتري به بعض ضمائر الناس ألْمُدْقعينَ في الفقر والحاجة.

لو تَذَكَّر صاحب ألمال والجاه والسلطان وصاحب المحسوبية والإنتهازية أنَّ ألذي بَيْنَ يديه قد يُأْخَذُ منه في لحظه ما, وقد يُسْلَبُ منه ما فيهِ من عِزٍّ وجاهٍ لو نَظَرَ حَوالَيْهِ وإلى عِبَرِ ألتاريخ ألمليئة بالعِظاتِ والدُّروس للذين كانوا مثله, أينَ هُمْ وكيف صاروا؟ ثُمَّ اتعظ! لأعطى عطاءً غير مَجْذوذ, وجعل كل فرد في مجتمعه سعيداً ومبروراً لأنه إستثمر في وطنه ورفع من مُقَدَّراتِ شَعْبه, وأَحَسَّ بما يُحِسّون به وأنقذهم من الفقر والمرض. عندها يكون إنساناً يحمل الحب بين طيات روحه وعقله ووجدانه.

امّا ألعنصر ألرابع من عناصر ألحب, وهو التضحية: فهذا هو أسمى عنصرٍ من عناصرِ ألحُبِّ ألذي لا يوجد إلّا في قليلٍ من أفرادِ المجتمعات وفي المجتَمَع اللبناني خصوصاً, والمجتمعات ألعربية بوجه ألعموم . وفقدان هذا ما جعل ألامه تسير في ذيل ألأمم وأصبحت أمة متفرقةً ودولاً مبعثرةً ومُسْتَهْلِكَةً لأنها لم تَفْهَمْ معنى التضحية وحقيقه العطاء.

صاحب ألتضحية هو ألذي يحمي أفراد المجتمع والوطن ككل, ويُضَحّي بروحِه وبِدَمِهِ في سبيل مَجْدِ الوطن وعِزَّتِه وكَرامَتِه والذَّوْد عن حِماه وأهْلِه, هو حقيق أن يكون في أرقي مراتب ألشرف والفداء والبطولة. لأن الشجاعة في التضحية هي فطرةٌ يحملها قليل من فئات المجتمع والأمثلة كثيره لهذا النوع من التضحية بالدم والروح في ألمجتمع اللبناني والمجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية الاخرى.

فالتضحية في الحقيقة تشمل كل عناصر وعوامل الحب الخالد الذي لا يساويه شيئ في هذه الحياة. فالذي يُضَحّي بنفسه لأجلي وأجْلِكَ حتى يكون أفراد مُجْتَمَعِه ووطنه في عزةٍ وأنْ لا يَدوسَ تُرابَهُ مستعمرٌ أومحتل, لهو أسمي وأعمقُ وأَنْبَلُ آياتِ الحبِّ البشري منذ أنْ سَطَرَ الإسان تاريخَ وجودهِ على هذه الارض.