لماذا قَتَلَ هابيل أخاهُ قابيل؟؟؟ 

إبني آدم قابيل وهابيل يمثلان الخير والشر في الإنسان وقد يتبادر إلى ذهن الكثير من الناس في تساؤل قد يكون فيه نقص في الرؤيا والتحليل: أنه لماذا قَتَلَ الشَّرُ الكامن في قابيل الخَيْرَ الكامن في هابيل؟

قد يجعل البعض حين يطفو هذا السؤال في عقولهم ان يَشُكّوا في إرادة الله وسُنَنِهِ في خَلْقِهِ! في أنه لا يريد الخير أن يستمر ويتكاثر وإرادته ربما أن يكون القتل والفساد طريقةً في تمرير سُنَنِهِ بين خلقه وفي كونه!

في الحقيقة أن علم البشر“وما أُوُتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَليلا” وفَهْمِهِمْ وتَحليلِهِمْ وتَصوُّرِهِمْ للأُمور محدود, وتَدَبُّرهِمْ في سُنَنِ اللهِ قاصرةً وبعيدةً عن الْعُمْقِ والفَهْمِ الذي أَرادَهُ الله من تلك السُنَنِ الخارِقَةِ والبعيدةِ عن مدى فَهْمِها والتدبُّر في كُنْهِهاِ! فالخير والشر هما عنصران من أهم عناصر الحياة واسرارٍ من تلك السُنَنْ التي وضَعَها فيها وفينا.

فلو تَدَبَّرَ الإنسان أكثر لَعَرَفَ أنّ هناك كُنْهاً كامِناً في الخير وفي وضع سُنَنِه الربّانية من خالق الكون وما فيه من معجزات مادّية علمية, وروحية مجهولة. إنّ هذه السُّنة في الخير لا يمكن لها ان تكون أو تتحول لشر,ٍ او ينقلب هذا الخير إلى شر. لم أعهد خلال رحلة الثمانين حولاً او قرأتُ أنّ صاحب خير وفضل وصفاء وحب إنقلب إلى شِرّير! فلو جعل الله هابيل الخير يقتل أخاه قابيلَ الشرِ لفسدت معادلة الله في هذين الجوهرين, ولما كان هناك توازن في فهم هذه الحقيقة في هذه الحياة والعلاقة الكامنة بين الخير والشر!

الخير هو مُطْلَقُ الصّلاحِ والحُبِّ والعطاءِ والتَضْحِية, ولا يمكن ان يتحول إلى شر بأية حال من الأحوال والحالات! لأن هذه الفطرة ثابتة, وقد جعلها الله في نفوس الكثير من بني آدم وفي خُلُقِهِمْ ولا يمكن لها ان تتغير! فكيف جائت هذه السُّنة؟ وكيف صارت ثابتة من ثوابت سُنَنِهِ حين جعل الشَّر يَقْتُلُها في شخصية هابيل؟

السر الكامن في هذه السُّنة الإهية الحكيمة والجليلة أنه جعل الشر في نفس قابيل وجعل الخير في نفس هابيل فأمات هابيلَ وأبقى على قابيل حتى يُري خَلْقَهُ ألآدَمِيُّ عجائبه وقُدُراتِه وسُنَنِهِ فيهما وفينا. كلامنا وتحليلاتنا لهذه الحقيقة هي ليست أكثر من تفاعل أفكار ورؤى نستشفها من رحلة الحياة التي وهبنا إياها, تبقى الحقيقة الراسخة الثابتة أن هو ألأعلم وهو الخبيرفي كلَّ ما خلَقَ وأوجد في هذا الكون المُعْجِزْ!

كيف كان هذا ؟ بعد ان حدثت اول جريمة قَتْلْ بين أَخَوين من جنس الدم الواحد وشهدها من عاش في زمن فجر البشرية الاول, وبين ابني آدم عليه السلام! ذلك ان سُنَّةَ الله إقْتَضَتْ في خَلْقِهِ أن لا يَنْقَلِبَ الخَيْرُ شراً, واراد أن يُحَكِّمَ سُننَهُ حيث جعل من نسل قابيل ولادة معظم أبناء البشرية بعد الإنسان الأول آدم عليه السلام.

لقد عَلِمْنا من سِيَرِ التاريخ أنّ معظم البشرية كانت كافرة: اي منكرة للذي خلقها وأوجدها  وصنعها. لذلك اقتضت حِكْمَتُهُ  وسُنَنِهِ أن يُرْسِلَ من نَسْلِ قابيل رُسُلاً وأنْبِياءَ اسْتَخْلَصَهُمْ لدعوة بني البشر أولاد آدم عليه السلام ليرشدوهم ويهدوهم إلى عدم عبادة الأوثان والازلام والنجوم والكواكب,  إلى عبادته وحْدَهُ والتَعرّف عليه من خلال علامات كونه وخَلْقِه.

استمرت هذه السُّنة في إرسال الرسل والانبياء من نسل قابيل قروناً عديدة وازمنة مديدة, اتنهت بعد نوح عليه السلام الذي عاش قرابة العشرة قرون حسب رُزْنامَةِ الكون الأرضية, ولم يؤمن بما أُرْسِلَ من أجله إلا القليل من قومه. استمر إرسال الله لأنبيائه ورسله وصلوا إلى إبراهيم عليه السلام الذي استمر قومه في كفرهم وإنكارهم لوجود الله والإشراك به خالق كل شيئ.

وحمل الرسالة ابنائه إسحق ويعقوب عليهما السلام من بعده, وفي تلك المرحلة بدأت مراحل غيم الإيمان تتكون وتظهر قليلا حين حمل تلك الرسالة بنو إسرائيل أيام موسى عليه السلام الذي كان التزيل الاول التوراتي, والذي حمل شعلة النور للإنسانية أحفاد قابيل.

بهذا الحدث بدأت سُنَّةُ الله تظهر وتَتَضِّحْ واستبانَتْ لكل مُتَدَّبِرٍ ومُفَكّر أنه لو ترك الخير وصاحبه هابيل ان ينتصر, لما كان هناك شر وباطل وكفر وجحود بين احفاد هابيل. لانهم سيكونوا تابعين لأصلهم وجدّهم هابيل: فيهم كل الإيمان والصلاح والحب والعطاء, ولما كان هناك دوراً للشيطان الذي خلقه الله لوظيفة إغواء بني آدم كلهم جميعاً.

هذه القاعدة التي ذَكَرْتُ أن الخير لا يمكن له أن يَنْقَلِبَ شرأ, وان الشر يمكن له ان ينقلب خيراً قد اتضح في سنن الله. وكأنَّ الله أراد أن يُخْرِجَ الخير من مَكامِنِ ألشر حتى يَتَدَبَّرَ من عنده عقل وتفكير كيف تَعْمَلُ سُنَنُ الله في خَلْقِهِ وكَوْنِهِ تعالى في علاه!

وتجلّت حكمته في فشل بني إسرائيل إيصال رسالة الحق إلى الناس حين جعلوها خاصة بهم وحدهم, وليس هناك حق فيها لبني آدم إخوانهم في البشرية أن يوصلوها إليهم, أو يُعرِّفوهم عليها.  لأن الشر في ضعاف النفوس بينهم ما زال يحمل نفسية قابيل الطاغية والحاسدة والحاقدة, مع ان الحق اختارهم لحمل رسالته التي بدأها اجدادهم من الرسل والأنبياء.

كانت رسالة المسيح عليه السلام آخر محاولة من خلال سُنَنِهِ تبارك في علاه حين حملها عليه السلام إلى بني إسرائيل. كانت أولاً في معجزة  كيفيَّةِ خَلْقِهِ من عذراء طاهرة مطهَّرة ومقدّسة حتى يبين الله لهم قدرته على خلق أي شيئ يريده بكلمة السِّر في قُدْرَته  والتي بين: “الكاف والنون” أي كن فيكون!

أَنكَروا رسالته والمعجزة التي جاء من خلالها, وانكروا أمه العذراء المقدسة, واتهموهما بالباطل والسحر والكذب, وثارت فيهم حمية قابيل. ثم أنكروه وعذبوه وسَبّوهُ وشَتَموهُ لب ولَعَنوه. فكانت نهاية دعوته لهم أنه فشل في إصلاح ما أفسده الأوائل من كُهّانِهِمْ وكَتَبَتِهِمْ وأحبارِهمْووفريسيهم. ذلك حين وقف واعترض على تبديلهم في الشريعة وجعل بيوت الله أوكاراً للصوص واماكن تجارة وبيع وشراء. فلو تبع المسيح عليه السلام أهوائهم وزوغانهم عن الطريق, لما كان اليوم عندنا عقيدة تسمّى بالمسيحية قط! لقد فشل في إقناعهم بتبديل خصوصية الرسالة التوراتية في إعتقادهم أنها خاصة بهم  ولهم , إلى ما قصده الله منها وفي عموميتها لبني آدم وبني قابيل كلهم, وكانت تلك  آخر محاولة من حِكْمَتِهِ ومن سُنَنِهِ.

قررألحق أن يرسل نبياً ورسولاً من ابناء عمومتهم, من أبناء اسماعيل حَفَدَةُ إبراهيم عليهما السلام, من عرب الجزيرة. تلك الأرض التي عُرِفت في ألتوراة بارض فاران نبياً ورسولاً حَمَلَ في رسالته ما جاء من قبله من رسائل إلاهية وتنزيلات على الأمم السابقة من أولاد قابيل من بني إسرائيل. كانت رسالة السلام أو الإسلام ونزول القرآن المقدّس الذي لم تصل إليه يد التزييف او التحريف أو العبث بمحتوى سوره وآياته. والذي جائت نصوص سوره في ثلثها تقريباً تحكي قصة بني إسرائيل:  تحكي عن افعالهم, ومحاولاتهم تغيير بعض سنن الله في خلقه وكونه, وعصيانهم, وتحريفهم ما أراد الله, واتهام الله بأنه فقير, وأنه يندم ويحزن. وفيه آيات وقصص أختصت بهم وبأنبياءهم. ثم اخبرهم أنهم حين أرسل إليهم التوراة, لم يفهموها ولم يعقلوا كنهها كمثل الحمار الذي تضع على ظهره حملاً من الكتب والمراجع التي لا يمكن له ان يفقه ما فيها.

ذالك الكتاب القرآن الكريم الذي نزل على قلب رجل أُميٍّ لا يعرف ولا يعلم القراءة ولا الكتابة حتى يكون هذا الكتاب معجزةً له لما فيه من قوانين علمية: كونية وفلكية, وحتى بشرية في كيفية مراحل خلق الإنسان الذي لم تذكره التوراة ولا اي كتاب نزل قبله.

نزل هذا الكتاب القرآن الكريم منجّماً وعلى مراحل خلال اكثر من عقدين من الزمن على قومٍ كانوا اهل شرٍ وكفرٍ وقتلِ ودفنٍ للبنات وهن أحياء. تلك الانواع من الجرائم التي لم يذكر التاريخ أن قوماً آخرين فعلوها! كانوا يعيشون في غابة جهل ومجتمع قلوبهم أقسى من الصخور ومن الحجارة. فكانت معجزة هذا الكتاب القرآن ألكريم أن نقلهم من نفسية جدّهم قابيل القاتلة المجرمة, إلى أناس حملوا حبّ هابيل وتضحيته وعطائه وتَقَبُّلِهِ ما كان من قَسْوَةِ وقتل أخيه قابيل له.

حملوا تلك الرسالة التي حولتهم من قتلة ومجرمين واصحاب فساد وإفساد, إلى قوم عرفوا الله خالقهم حق المعرفة. لم يحملوا تلك الرسالة ويدّعوا كما ادّعى ابناء عمومتهم بنو إسرائيل أن رسالة القرآن والإسلام هي لهم خاصة, ولا يجوز نشرها لاي قوم من أقوام البشرية احفاد آدم وابناء قابيل.

حملوها وعَقَلوها وتَدَبّروها ونشروها بين أقطار الأرض وبين سكانها في كل الإتجاهات: في شرق الكرة وشمالها وجنوبها وغربها. انتشرت على أيدي الذين كانوا قتلة ومجرمين وفاسدين ومُفسدين لأن الله جعل منهم بعدها رسلاً وحمَلةً لرسالته ألإسلام والقرآن لكل ابناء البشرية.

وبهذا اصبحت الرؤيا اوضح انه لولا الجريمة الاولى بين إبني آدم قابيل وهابيل, وقَتْلِ قابيلَ لأخاهُ هابيلَ لما احتاجت البشرية إلى رسالات ورسل حتى يرشدوهم ويهدونهم إلى سواءالسبيل.

هذه هي الحكمة البالغة والسنن الاهية المُحيّرة لعقل الباحث والمتدبر في هذه السُننِ المُعجزة والخارقة في المفهوم والدليل, والتي تحتاج إلى الفكر الإنساني الصائب المتدبر والمتعمق في فهم بعض سنن الله فينا وفي هذا العالم وهذا الكون!   

1/5/2025                

  إسماعيل شعبان