لبنان وترسيم الحدود؟

ترسيم الحدود أو تقسيم الحدود او تثبيت الحدود بالمفهوم العام البسيط, وبدون الرجوع إلى البحوث والدراسات الدولية والمعاهدات الإقليمية المتفق عليها بين ألأفراد والقبائل والشعوب والدول المتنوعة بين الأمم الإنسانية هي بهذا المعنى البسيط: “هذا حدّي وهذا حدُّك!” قد يُفْصَلُ بينهما بأي فاصل طبيعي أوحدود وهمية إصطناعية.

هذه أصبحت من البديهيات بين الدول منذ القدم وحتى عصرنا  هذا وبالمعنى الأخر: هو الإعتراف المباشر بين الأطراف المتصارعة او المختلفة, أو الغير مباشر بواسطة دولة أخرى ترعى هذا الترسيم الحدودي أو التتقسيم الحدودي أو التثبيت الحدودي بين الأطراف المتنازعة على حدودٍ جغرافية موجودة بينهم منذ القدم, وهذا اصبح شيئاً طبيعياً.

أما بالنسبة لمنطقتنا, منطقة الشرق ألأوسط, او الهلال الخصيب, او الشرق ألأدنى, او كما أطلق عليه قديماً ” ميزوبوتاميا” فهذا يختلف من الناحية الديموغرافية والناحية الطبوغرافية:

الترسيم أو التقسيم او التثبيت في الحدود عادة يكون بين جنسين مختلفين في التراث القومي, التراث التاريخي, أو التراث الديني. وربما هذا يصبح ضروريا لوجود هذه الإختلافات الجوهرية التي من الصعب تقريبها بعضها ببعض. اكبر مثل على هذه الناحية في الإختلاف هو اللغة. ذلك حين لا  يكون بين هذان الشعبان أو الطرفان اللذان يريدان هذا الترسيم او التثبيت او التقسيم أهم أداة من إدوات التقارب والتعارف والتفاهم وهي اللغة. لذلك اصبح هناك ضرورة للفصل بينهما في هذه الحالة. وهناك حالات كثيرة يمكن الرجوع إليها لجواز هذا النوع من الفصل, والتثبيت والترسيم: كالتثراث, والدين وغيرها من الفوارق التي تمنع توحيد الشعوب أو الامم.

المنطقة العربية الممتدة بين الحدود الشرقية والشمالية من القارة ألأسيوية والأوروبية, والتي بعضها دول إسلامية في هاتين القارتين, أو الحدود الجنوبية بالدول الإفريقية التي منها دول عربية وإسلامية. فمعظم هذه الدول تفتقد أهم عنصر من عناصر التفاهم والتعارف والوحدة وحتى التعامل معها من دون ترجمان وهي اللغة الواحدة ما عدى الدول العربية والإسلامية من بينها. ذلك لانها كلها لا تتكلم بنفس اللغة التي يتكلم بها شعوب هذه المنطقة وهي اللغة العربية. مع انه  يوجد  بينها تقارب وتراث ديني قوي يربطها مع بعض تلك الدول. لهذا يمكن أن أقول ان ترسيم الحدود وتقسيمها وتثبيتها كما فعل مُخَطّط اللورد الفرنسي والإنجليزي سايكس وبيكو حين قسماها إلى دويلات وممالك وإمارات ورسما بقلميهما حدوداً إسطناعية بين الامة الواحدة والعرق الواحد والدم الواحد ومنذ تلك الفترة 1916 وما زال هذا الترسيم والتقسيم والتثبيت ساري المفعول, ولم ينتفض ضده, لا شعب من هذه الشعوب ولا حكومة من حكومات هذه الشعوب.

إختلف الامر في أوائل الستينات حين أسست جمهورية واحدة ألغت الحدود الجغرافية بينها وبين شعبها العربي الواحد تحت إسم الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا, ولم تدم أكثر من سنتين, وعاد الترسيم والتقسيم والشرذمة بينهما. فقد أفلح سايكس وبيكو في إثبات وتثبيت الحدود بين مصر وسوريا, وكان كل ذلك لسببين:

السبب الأول:

عند إكتشاف النفط, ومحاولة سرقته واستثماره لبناء إقتصاد تلك الدول الأوروبية مثل فرنسا وإنجلترا وأمريكا في إستغلال المنطقة إقتصادياً وجعلها سوقاً تجارية  خاصة لهم.

السبب الثاني:

التمهيد لزرع شوكة قاتلة وغريبة في المنطقة حتى تكون قاعدة نفوذ لهم للسيطرة والإحتواء على كل من يحاول إعادة ترسيم المنطقة لما كانت عليه ايام الدولة العثمانية. تعود منطقة عربية متحدة طبوغرافياً وديموغراياً. لذلك زرعوا تلك الشوكة الصهيونية في هذه المنطقة حتى تكون قاعدة تحكم وسيطرة عسكرية وإقتصادية لها, لتهدد من يحاول أن يعيد الماضي لتلك المنطقة!

من هنا يأتي اهمية ترسيم الحدود بين لبنان وذلك الكيان الصهيوني الذي غرسوه في قلب وفي خاصرة وظهر المنطقة. وذلك ليعطوا الصفة القانونية لهذا الكيان حتى تعترف اقطاره الممزقة بوجوده الغير شرعي بينهم. كان لا بُدَّ أن يمرروا سياساتهم في التجويع والتركيع والتهديد, وربما الحرب التي اجتاحت بعض أقارها: كالعراق سوريا ولبنان. ثم أصبحت غزة الشوكة التي حاولت ان تقسم ظهورهم وتعيد للقضية المقدسة مكانتها بين سكان المنطقة, وفي محاولة ربما كانت فاشلة لحد ما لإيقاض الأمة التي نامت وغفلت, وقسم كبير منها طبّع وباع القضية, ولكن أيقظ العالم الحر في كل أقطار الدنيا على البطش والدمار والقتل والمجازر التي حلّت بتلك البقعة الضيقة من الأرض الفلسطينية. أظهرت تلك المحاولة من المقاومين في غزة وحشية الوجه الصهيوني وإجرامه للعالم الذي كان يتعاطف معه طوال سنين هذه الأزمة والقضية المقدسة التي راح ضحيتها شعب تشتت وتقطعت أوصاله, وسكت العالم كله بما فيهم إخوته في المشرق كلهم!

لبنان كان البلد العربي الوحيد الذي وقف صامدا خلال العقود الطويلة من محاولة إذلاله وتركيعه حتى يقبل بعملية التطبيع قبل الترسيم. لكن فشلت كل محاولاتهم في التهديد والتجويع والتركيع لهذا الشعب العنيد من هذه الامة وفي هذه المنطقة العربية التي عانت ومازالت تعاني من آثار الإستعمار الحديث المباشر والغير مباشر.

وقف سداً وصخرة صلبة أمام كل مشاريعهم, فاستعملوا كل وسائل القهر والإذلال له, لكنه ظل صامداً مقاوماً يرفض أن يكون أداة طيعة بين أيديهم ليمكنوا هذا الإحتلال لجزء مقدس وغالي من المنطقة العربية فلسطين. التي تمَّ تهجيروقتل وتجويع شعبها, ومنعه من استرداد حقوقه المشروعة. لذلك دفع  لبنان ابهظ وأغلاها لوقوفه مع هذا الحق المقدس لإخوته في الدم وفي اللغة وفي الثرات مع الشعب الفلسطيني!

من هنا كان على لبنان أن لا ينخدع بمطالب هذه الدول التي لا تعير أي إنتباه لمصالحه وحاجاته,انما لمصلحة الكيان الذي زرعوه في المنطقة حتى يأخذ شرعية جديدة يحتاجونها له, وهي موافقة شعوب المنطقة وحكوماتهم على قبول هذا الظلم وهذا السرطان القاتل المدمر بينهم الذي اغتصب حقاً من حقوق إخوانهم الفلسطينيين وفي أقدس بقعة في هذا الوطن الكبير! 

لهذا كان على لبنان أن لا يستجيب لأي طلب وخاصة من الشيطان الأكبر أمريكا ونظامه الذي لم يكن يوماً منذ تأسيسه على جماجم وهياكل الهنود الذين تمّ أبادتهم إبادات جماعية لم يشهد التاريخ مثلها. التي لم يستطع كتّاب التاريخ والمؤرخون أن يسجلوا ويوثقوا تلك المجازر لأنها أخفت وحرقت كل دليل وكل معلومة ذُكِرَت عن تلك المجازر والإبادات الجماعية.

هذه امريكا التي تكيد للمنطقة العربية أشد المكائد وأسفل وأحقر الإستراتيجيات حتى تحافظ على ربيبتها في المنطقة والتي حملت النفوذ والتسلط  من الدول الإستعمارية الأولى: فرنسا وبريطانيا والمانية وباقي الدول الاوروبية التي استعمرت الدول الفقيرة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الأوسط. 

فترسيم الحدود مع الكيان الصهيوني الغاصب بضغط وبمبادرة أمريكية هو إقرار واعتراف بالحدود مع الكيان المحتل.  وربما هذه هي البداية, او الخطوة الأولى كي تتبعها خطوات أخرى  تباعاً. وقد يكون منها تجريد المقاومة من سلاحها من قِبَلِ الحكومة اللبنانية القادمة, والتي ستفصّل حسب اهواء ورغبات الفئة اللبنانية التي منذ قيام المقاومة اللبنانية وهي تكيد وتتآمر وتعد العدة بكل ما لديها من قدرات وتعاون حتى وإن لزم مع العدو حتى ينهوا كل وجود مقاوم على جبهة فلسطين المحتلة الشمالية, وقد يتآمروا حتى يسكتوا صوت المقاومة السياسي كما حاولوا ولا يزالون إسقاطه عسكريا.

ربما في إستراتيجية الغرب وأمريكا ان يكون لديهم إستراتيجية في إحتواء الجالية الشيعية المقاومة من لبنان في ترحيل وتهجير قادتها وكل من يحاول ان يؤيد أو يرفع صوته ليدافع عنهم ولا يقبل بما يخططون له من شر لبلد العزة والمقاومة لبنان. 

ربما يفرضوا على الحكومة واقعاً جديداً بتسليم كل قادة المقاومات اللبنانية الماضية والحالية حتى يضعوهم في زنازن الإتهمام والمعاقبة كما فعلوا مع الدول الأخرى التي احتلوها عسكرياً لمحاكمة كل من دافع عن حرية وطنه او رفع إصبعه ضد مخططاتهم الشيطانية البعيدة عن كل المفاهيم التي وضوعوها في مؤسساتهم الدولية ليوهموا العالم الثالث والنامي انهم دول حضارية إنسانية تحافظ على حقوق الإنسان وقدسية حريته.

وربما هذا الغرب ومعه أمريكا يهددوا لبنان إذا لم ينصاع لمشاريعهم الهدّامة لكل قضايا المنطقة أن يفرضوا أمرأ واقعأ عليه حتى يصبح بالكامل وبدون ان يعلم تحت الوصاية الغربية الأمريكية, وتدريجياً الطلب الأخير من لبنان بالجلوس إلى طاولة الحوار المباشر مع الكيان الصهيوني بوساطة أمريكية وغربية كما حصل مع مصر والأردن ومنظمة فتح الفلسطينية,  ويوقع لبنانمعاهدة سلام مع دولة الكيان الصهيوني إسرائيل.

بهذا يكونوا قد نجحوا في تقليص نفوذ ودور إيران في المنطقة وزيادة حصارها وعزلتها. ثم انهاء القضية الفلسطينة والنزاع العربي الإسرائيلي باعتراف شامل وكامل بوجود دولة الإحتلال إسرائيل بدل دولة فلسطين.

بهذه التنازلات من قبل لبنان إن مرروا مشاريعهم عليه, حينها  يتسنى للدول الغربية وامريكا ان تنزع فتيل الأزمة الإقتصادية واقراض لبنان بعض الملايين حت تنفك أزمته الإقتصادية ويدخل بعدها في دائرة التطبيع مع الكيان الصهيوني بالضغط  العسكري تارة  وبسلاح الحظر والعقوبات الإقتصادية.  من هنا يبدأ مشوار لبنان القاسي والصعب هنا يدخلفي الدخول إلى دوامة التطبيع كما حصل مع بعض الدول العربية الأخرى, حيث كان ذلك تدريجياً وباستراتيجية ممنهجة دقيقة خططت لها أمريكا والدول الغربية والصهيونية العالمية, وبعض الدول العربية منذ عقود.

إسماعيل شعبان