رسالة من مسلم إلى كل أخٍ وأخت من اتباع المسيح عليه السلام! 11/12/2021
إسماعيل شعبان
لأكثر من أربعة عشر قرناً والمسيحي او المسيحية يكنّان لأخيهما المسلم أو اختهما المسلمة كل أنواع المعاداة والبغضاء والكراهية والحقد المطلق لجهلٍ منه او منها على ان المسلم هو العدو الأول لهما، والذي يعتقدان انه غير مؤمن بما جاء به السيد المسيح عليه السلام. تلك الكراهية وأخواتها التي جعلت من نفوس الذين اتبعوا رسالة المسيح عليه السلام رسالة المحبة والسلام، في معظمهم أعداءً للذين آمنوا برسالته وربما أكثر وهم المسلمون!
لو علم وعرف وتبيّن كل من يدّعي حبه واتِّباعه للمسيح أن المسلم هو أكثر مسيحية منه، وأكثر حباً للمسيح وأمه مريم المقدّسة الطاهرة والمصطفاة من بين نساء العالمين، منذ آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة حين يرث الله الكون وما عليه: لعلم حق العلم وعرف حقّ المعرفة ان المسلم لا يَكْمُلُ إسلامه وأيمانه إلّا إذا آمن بالسيد المسيح عليه السلام وبرسالته الداعية إلى المحبة والعفو والمغفرة، كذلك آمن بالمقدسة أمه مريم عليها السلام البتول الطاهرة والمطهّرة من كل خبثٍ ودنَسْ. تلك والدة مسيح الرحمة المهداة إلى البشرية اجمعها. ولعلم حق العلم ان المسلم هو أقرب الناس من كل فرد من أفراد الإنسانية إليهم جميعاً وإلى عقيدة المسيح عليه السلام!
هذا ليس لسبب الإنشاء، او المجاملة، او المحاباة: بل هو محفور في كتاب المسلمين المقدّس، القرآن الكريم. هذا الكتاب الخاتم الذي نزل على الرسول الخاتم محمد ابن عبد الله عليه صلوات الله، والذي حمل في صفحاته ملّخص ما نزل على موسى من توراة، وما نزل على المسيح من إنجيل. لهذا كان لا بد من اخوتنا في الإنسانية الذين اتبعوه ان يعلموا أنَّه في هذا الكتاب المقدس سورة كاملة باسم مريم البتول عليها وعلى ابنها السلام.
جاءت تخبر عن كل ما حدث لتلك العذراء: في قصتها عن الحمل، ومعاناتها النفسية، وتدخُّل المسيح وهو في بطنها حين كلمها ونطق حيث طمأنها قبل وضعها له. ثم اعطاها القوة حين وضعته وحملته بين ذراعيها امام الملأ من بني إسرائيل، تتحدى قومها وتتحدى أحبارهم وحاخاماتهم من بني إسرائيل الذين كانوا على شريعة موسى.
وفيها عندهم، أي التوراة: ان الزانية تُرْجم بحضور أربعة شهداء. لكن في حال العذراء البتول مريم عليها السلام لم تكن تحتاج إلى أربعة شهداء. فهي جاءت إليهم بطفلها تحمله على يديها وقد ولِدَ لتوه. فالسؤال الذي يخطر على كل ذي عقل هو: من أنقذها من الرجم حتى الموت؟
هذا سؤال يجب ان يطرحه كل اخ مسيحي وأخت مسيحية، لأنه في غاية الأهمية عند دراسة قضية مريم البتول وقصة ابنها السيد المسيح عليهما السلام!
الشيء المدهش والذي لا يمكن ان يخطر على بال الباحث عن الحقيقة والذي يجب ان يعرفها، ان الجواب على هذا السؤال من المفروض ان يكون في كتب الأناجيل الأربعة الموجودة بين يدينا، لأنه سؤال في غاية الأهمية. فقد يقول قائل:
وما الأهمية في معرفة الجواب عن ذلك السؤال؟ فهو إله وأمه قدّيسة او أم إله لا تحتاج إلى من يُبرِّأُها من التهمة التي وقعت بها وحملت وانجبت!
لكن نحن بشر، وعندنا قوانين ترعى وتحافظ على حقوق الجميع. وبما أن مريم عليها السلام كانت من بني إسرائيل وكانت من اتباع النبي موسى عليه السلام وعلى دينه، كان من المنطق والموضوعية في التعاطي مع قصتها عليها السلام ان يكون هناك نوع من الحكم عليها، لأنها حملت وانجبت وكما ذُكِر في التلمود:” كانت زانية وابنها ابن زنى”. لذلك فلن تجد مثل هذا الجواب على هذا السؤال الذي هو في غاية الأهمية وبعد عشرين قرناً من الزمن على حدوث تلك القصة، إلّا في قرآن المسلمين القرآن الكريم! أليس هذا غريباً ويدفع الأتباع إلى أسئلة كثيرة!
الطفل الذي انجبته وحملته على ذراعيها هو الذي أنقذها من الموت ومن عقوبة الرجم حين نطق وهو بين يديها تحمله، ودافع عن امه البتول مما جعل احبار اليهود وحاخاماتهم يُصْعَقون من تلك الحادثة، حادثة حديث المولود الرضيع الجديد إلى أحبار وحاخامات بني إسرائيل. نطق الرضيع وهو محمولٌ على ذراعي امه عليهما السلام!
هذا لا يوجد في أي كتاب قبل القرآن. لو ادعى أحدهم وقال: أن القرآن نسخ في سوره كثيراً من الذي جاء في التوراة او الإنجيل من قصص. التحدي لكل هؤلاء ان يظهروا ما حدّث عنه القرآن عن قصة العذراء مريم عليها السلام وابنها المسيح عليه السلام ونجاتها من الرجم المُحِقّ عند وضعها وحملها رضيعها في كتبهم! حتى يثبتوا ما يدّعون.
في هذا يثبتوا ان القرآن الذي نزل على عبده ورسوله محمد عليه سلام الله هو ليس كلام الله, وانما كما يدّعون انه منقول من كتبهم! فمن أين أتى محمد رسول الله عليه السلام ورسول الإسلام بهذا الخبر عن قصة نجاة مريم البتول عليها السلام؟ هذا الجواب الذي هو في غاية الأهمية في عقيدة المسيح واتباعه، مع العلم انه عليه السلام كان أُمِّياً لا يعرف الكتابة أو القراءة؟ الحقيقة انه لا يوجد أثر لهذا في أي كتاب نزل قبل القرآن الكريم البتة!
على كل اخ مسيحي واخت مسيحية، وعلى كل من اتبع عقيدة المسيح عليه سلام الله ان يحوزوا على نسخة من القرآن الكريم حتى يشاهدوا ويقرؤا ما كتب هذا الكتاب الكريم عن السيدة العذراء مريم! وقد خصص لها سورة كاملة سُمِيّتْ باسمها، ورقمها في ترتيب سور القرآن الكريم العددية: السورة التاسعة عشر، وعدد آياتها 98 آية. في معظمها تتحدث في جوهر القصة عن السيدة العذراء وابنها المسيح عليهما السلام. ذلك حتى يتبينوا صحة ما تناولت في هذا الموضوع الذي يهم المسيحيين والمسلمين على السواء.
المقومات التي تجمع شعوب منطقتنا مسيحيين ومسلمين:
في ربوع هذا الوطن الواحد الممتد من المحيط الهندي في الشرق، الى المحيط الأطلسي في الغرب، إلى أوروبا في الشمال، والقارة السمراء في الجنوب. هذا الوطن الكبير الذي تجمع شعبه الواحد كل مقومات الوحدة الحقيقية:
الجنس البشري الواحد:
فهم منذ بزوغ فجر الإنسانية وهذه الارض التي كانت تدعى في قديم الأزمنة “ميزوبوتاميا” ومعناها الأرض الخصبة كما أظن في اللغة الآرامية او السريانية القديمة، والتي من نسلها تكونت اللغة العربية والعبرانية. هذا الجنس السامي الذي يعود الى أحد أبناء النبي نوح عليه السلام ويكنى بسام ابن نوح. فشعب هذه المنطقة من العالم هم من الساميين الأصليين.
الدماء التي تجري في عروق كل فرد من أفراد هذا المجتمع الراقي الذي خرجت منه كل الحضارات القديمة كالسومرية والبابلية وغيرها من الحضارات الكثيرة، التي أثْرَتْ العالم القديم بما اعطته من إنجازات علمية مختلفة، ولو انها كانت بدائية. حتى حضارة الفراعنة العمرانية والأهرامات العملاقة، الذين هندسوا وبنوا تلك الحضارة هم من قبائل منطقة ميزوبوتاميا الذين رحلوا إلى افريقيا ومصر، وأخذوا معهم ما كان من حضارات مادية وعلوم مختلفة حيث رحلوا أو ارتحلوا.
عامل اللغة الواحدة:
ومن المقومات الأخرى التي تنادي في توحيد هذه الشعوب في هذه المنطقة العربية هو عامل اللغة المشتركة والمتطورة خلال العصور الماضية، والتي صُهِرَتْ كل لغات ولهجات المنطقة إلى لغة واحدة وهي اللغة العربية التي يتكلم بها كل افراد هذه المنطقة، ذات الشعب والعرق الواحد الشاسعة الأطراف. هذه اللغة التي تبلورت وازدهرت وتفاعلت مع كل عوامل التغيير والتطور حتى أصبحت لغة مقدّسة سَطَّرَ القرآن الكريم سُوَرَهُ وآياته بها. الحق خالق هذا الكون جعلها في قدسيتها لأنه استعملها في تأليف قرآنه الكريم.
عامل التاريخ الواحد:
كما سبق وأشرت إلى موضوع التاريخ الذي ترجع جذوره إلى أعماق تراب هذه البقعة الجغرافية، والذي سُطِّرَتْ عليه ملاحم هذا الشعب في هذه المنطقة من غزوات وحروب ومصالح احياناً متشابه واحيانناً متضاربة. تاريخ هذه المنطقة التي غزتها إمبراطوريات مختلفة في شرق الكرة الأرضية او غربها: من الإغريق، إلى الرومان، إلى الفرس، ثم الدول الإسلامية المتعاقبة التي حملت اسم الخلافة الإسلامية، والتي كانت من نسيج هذا الشعب الواحد.
ثم المغول والتتار، ثم الإمبراطورية العثمانية، ثم الدول الاوروبية المستعمرة التي بدأت بتفتيت حدود هذا الوطن الواحد الجغرافية، حيث أوجدت فيه الحدود المصطنعة ومن خلال معاهدة سايكس وبيكو، التي وضعت المنطقة تحت فوهة البراكين الحارقة والمشتعلة منذ الحرب العالمية الأولى.
ثم زرعت في قلبها الكيان الصهيوني وفي أقدس بقعة فيها، والذي عاث وما زال يعيث فيها فساداً وقهراً وظلما وقتلاً. وتم تشريد جزء من هذا الشعب الواحد وطرده من ارضه وديارة واستعماره من قبل الذين قيل عنهم انهم “شعب الله المختار”!
الذين قد نسوا، او تناسوا ما أنزل الله عليهم في التوراة من الوصايا العشر، التي تدين كل ما اوقعوه من ظلم وقتل وتشريد وسرقة للأرض، وطرد أهلها الأصليين الذين هم جزء من هذه الأمة الواحدة في الوطن الواحد.
هذا الوطن الواحد الذي أصبح اوطاناً مختلفة وكيانات متصارعة ومتقاتلة، تعمل لصالح ذاك المستعمر أو ذاك الثري في بلاد الخليج! والتي أصبحت هي في حكم الواقع ممزقة ومتفرقة في شكل دويلات، وإمارات وممالك يديرها الذي اوجدها بعد الحرب العالمية الأولى وبعد هزيمة الخلافة العثمانية، واحتلال الغرب المستعمر لهذه الجغرافيا الواسعة، لتقسيمها وتفتيتها.
هذا الشعب الواحد والأرض الموحدة والتي أصبحت شعوباً وقبائل متناحرة، وبينها حدود مصطنعة التي ما زال ملوك وامراء ورؤساء هذه الدول في هذه المنطقة الواحدة والشعب الواحد، يتنافسون ويتصارعون فيما بينهم على خدمة من أولاهم الأمر، وأجلسهم على العروش ليبقوا على كراسي السلطة على شعوب هذه المنطقة وكما أراده المستعمر لهم!
عامل التراث الواحد:
التراث هو عنصر وعامل هام في توحيد الشعوب. التراث هو التقاليد والعادات المختلفة التي يشترك فيها كل شعوب وقبائل وممالك وإمارات. هذا الشعب الواحد على هذه الأرض الواحدة المقدّسة والمقسمة، من تراث هذا الشعب الواحد: الكرم، والأخلاق الحميدة، ونصرة الضعيف والمظلوم، والحفاظ على الأسرة، وإعطاء المرأة كرامتها وقدسيتها.
حتى في أيام الجاهلية، كان لها مرتبة الشرف الأولى في الأسرة وفي القبيلة وفي المجتمع. لان هذا التراث منحها مرتبة الشرف العالي الذي لا يجوز مسّه او التفريط في قدسيته. واعتبروا الأنثى هي الأم والأخت والزوجة والشقيقة، وكل هذه العناوين في هذا التراث الواحد هي مقدّسة عندهم. وهذا ما فرّط به الغرب وجعلوا الأم والأخت والزوجة والبنت مسرحاً يتسابقون عليه في حفلات العريّ وحانات الرذيلة وفقدان العفاف!
عامل الدين الواحد:
قبل الرسالات السماوية ونزولها على الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم رب الكون وخالقه من بين البشرية لهدايتهم وذلك من لطفه ورحمته عليهم، وخاصة من بين هذا الشعب الواحد الذي سكن منذ القِدَم هذه الأرض التي توارثتها وعاشت عليها كل القبائل والحضارات القديمة مثل: الكنعانية، الآرامية، السريانية، الكلدانية والأشورية، وغيرها من القبائل التي كونت بمجموعها هذه الأرض العربية التي انصهرت فيها كل الحضارات القديمة. ثم أَخْرَجَتْ بعد هذا الصهر ومن خلاله هذه الأمة العربية في شرق الأرض وغربها، شمالها وجنوبها وعلى امتداد ثلاث قارات. حيث كان كل سكان هذه المنطقة عبّاد أصنامٍ أو عبّاد أشخاص مثل الملوك البشرية كفرعون والنمرود، اوعبادة الأفلاك والشموس الكونية التي عبدها وقدّسها أجداد هذه الأمة خلال العصور القديمة.
لما بعث الله رسله وأنبيائه على مدى قرون من الزمن الماضي؛ مثل موسى عليه السلام برسالة التوراة إلى بني إسرائيل، حتى ينشروا من خلالها ما أُنْزل إليهم من ربّهم الى كل شعوب المنطقة ويهدوهم إلى عبادة إله حق حي هو خالق هذا الكون ومبدعه، استأثروا بالرسالة الربّانية إليهم، وحصروها بل ومنعوا الشعوب الأخرى من ان تصل إليهم حتى تكون وسيلة هداية لهم إلى الإله الحق، وعبادته بدل عبادتهم الأوثان والأصنام والنجوم والشموس.
لم ينشروا تلك الرسالة التي نزلت إليهم، واحتفظوا بها وظنوا انهم هم الشعب المختار الذي اصطفاه الله وحده، وظنوا من أنانية في نفوسهم ان هذه الرسالة التوراتية يجب ان تبقى في شعبهم وفي قومهم. وان لا تخرج إلى الشعوب او القبائل الأخرى الذين هم منهم وفيهم، أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وأحفاد سام ابن نوح عليه السلام. استحوذوا وأعلموا العالم أنهم هم الذين يستحقون ان يدخلوا الجنة وان باقي الشعوب قد اختارهم الله لعذابه وناره.
من هنا ومن كل ما سبق تجد ان هذه البقعة الجغرافية من هذه الأرض وكل من عليها من بشر وآدميين هم في الحقيقة أخوة في الدم، في التاريخ، في التراث، في الجغرافية وفي العقيدة. لأن منهم خرج الأنبياء والرسل، وإليهم أرسل الله الرسالات كي ينشروها الى كل بقعة من بقاع الأرض، وإلى كل شعب هو اخ كذلك في الإنسانية.
لهذا كلّه وأسباب أخرى لا مجال لحصرها كلّها في هذه المقالة التي تظهر وتبرهن لكل أولئك الذين في قلويهم شك، وفي عقولهم زوغان الحقيقة ان شعوب هذه المنطقة الشاسعة على هذا الكوكب هم أخوة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، فكفى الأخوة الذين يدّعون حبَّ المسيح وأمه العذراء البتول عيهما السلام ان يوجّهوا أصابع اتهامهم وأصابع بغضهم وكراهيتهم لمن هم أصفى وأنقى وأجدر أن يكونوا اتباع المسيح وأمه مريم عليهما السلام، لأن قرآنهم أمرهم ان يكونوا كذلك، وهو أمر ربّاني وإلاهي مطلق لا يمكن تجاهله او نكرانه.
أختم بما جاء في سورة البقرة في هذا القرآن الكريم ما نزل في هذا المعنى حتى يعلم الذين في قلوبهم بعض الشك او المروجون للفتنة والكراهية، او المدلِّسون على دين الإسلام ونبيه وأهله ان يحفظوا هذا ويعلموا علم اليقين أن دين الإسلام حرّم القدح والذّمَ والبَّ والشتم لأي نبي او رسول من أنبياء الله الكرام. قال تعالى في أواخر سورة البقرة آية رقم: 284 ” آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ“