البارحة كنا ننظر

البارحة كنا ننظر الى عظمة الخالق في الطبيعة الخارقة من حولنا، وكنا ننظر الى اشجار الزيتون التي في بستانك وكنت قد اشرت لي انها تشكوا العطش الشديد وشُحَّ الماء عندها وكانت حال ثمارها تشكوا ذلك لما اصابها من جفاف وعدم هطول المطر عليها حتى تنتعش وترتوي, وقد قَرُبَ موعِد حصادها وقطف ثمارها. تنظر إليها فتراها حزينة لأنها تريد ان تعطيك خير ثمارها التي انتظرتها طوال العام وجئت من بعيد ومن مهجرك في كندا حتى تحصل على زيتونها وزيتها وعطائها!

رأيتك حين قطفت احدى ثمارها وعصرتها بين اصابعك واخبرتني واشرت الى ما اصابها من نشفان وذبول وعطش, وكنت تنتظر رحمة الله بالقطر والمطر حتى تنتعش وتعود للحياة.

الليلة البارحة كنت اقرأ واذا بصوت الرعد والبرق الذي تبعه انهمار الامطار التي بدأت تنزل من اعالي السماء وكأنها تُلبّي نداء تلك الاشجار من الزيتون وغيرها من الاشجار التي حولها التي صارت تشتكي نفس العلة! قلت في نفسي نعم! لقد سمع الحق صانع الكون ومبدعه ندائها فأغاثها بالمدد من عنده!

أتخيل تلك اشجار الزيتون التي طفنا بها البارحة تبتسم وتضحك وتشكر خالقها بكل وسيلة لديها. وهذا يذكرني بنا نحن البشر الذين نحن بعيدين عن كلمات الشكر والثناء لله الذي هو ارحم الراحمين. الذي يعطي من غير منٍّ ومن دون ان نعطيه اي شيء، لأنه لا يحتاج الينا في اي عطاء!

البارحة كان يوماً استثنائياً بالنسبة لي؛ رأيت فيه ما بنى اجدادنا واورثونا اياه، ونحن هدمناه وهجرناه وتركنا ايدي الطبيعة تعبث في خرابه ودماره واندثاره، لأننا لم نُقَدِّر صنيعهم وكفاحهم وجهودهم وصراعهم مع قسوة الطبيعة, وبنائهم تلك البيوت التي اصبحت اطلالاً ولم نذرف حتى دمعة اسى او دمعة تأسّي وحزن عليهم. حتى لم نقل لهم رحمكم الله على ما قدمتم لنا! محونا ذاكرتهم كما دسنا على ما بنوا لنا من معالم من الآثار التي لو كان عندنا ايَّةُ علامة من علامات الرحمة والاحترام او الحب لهم, لما جعلنا ابنيتهم قبوراً من دمارٍ تعبث بها ايادي اللصوص وربما قطّاع الطريق! ثم جعلنا منها ركاماً من حجارة فوق بعضها البعض, واطلالاً تشكوا الخراب والهجران!

هكذا تعاملنا نحن مع آبائنا واجدادنا وتراثنا، فأي نوع من الانسان نحن؟ واي قيم واخلاق نحمل في داخل نفوسنا؟

إن نحن هجرنا تاريخنا الذي هو تاريخ آبائنا واجدادنا ولم نثمنه ونقدِّره ونعطيه حقه من الاحترام والتقدير والوصل والعطاء، فنحن كالبهائم اصبحنا بدون تراث ولا تاريخ ولا اثر، بل قدود تكون البهائم افضل واصلح منا لهذه الحياة!

اسماعيل شعبان

من عيتنيت بتاريخ:13-10-2021