من إسماعيل شعبان إلى رشيد ألحمامي واتباعه

February, 7- 2020

من إسماعيل شعبان إلى رشيد ألحمامي واتباعه

هذه الرسالة تتعلق ببرنامجك الذي تديره على أحد القنوات التبشيرية بعنوان “بكل وضوح” والذي اثرت فيه موضوعاتً وبعد متابعة ألبعض منها وجدت أنك تهاجم فيها القران والإسلام ومحمد والمسلمين مثيراً جدلاً وتعجباً عندي من المواضيع التي تطرحها في جدلك ووجهات نظرك المثيرة لبعض الإنتقاد الغير بنّاء، لدرجة أني استخلصت أنك في جدالك وانتقاداتك ان تغيّر بعضاً من ألحقائق البديهية في عقيدة المسلمين. ومن أحد أطروحاتك ألجدلية في هذا البرنامج الذي أثرته هو سؤالك ألتالي:

“لماذا استعمل القران إصطلاح كلمة نصارى على أتباع ألمسيح عليه ألسلام بدل كلمة مسيحيين؟”

لقد اثرت في سؤالك هذا مسائل كثيرة قد تكون غائبة عن عقول الكثيرين من المثقفين في كلا العقيدتين المسيحية والاسلامية لان هذا الموضوع يحتاج الي عدة وجوه من البحث العلمي للإصطلاحات أللغوية وحقيقة استعمالها في مجال العقيدة او الدين. ويحتاج إلى التدبر المنطقي في البحث عن كيفبة استعمال المصطلحات اللغوية في المجتمعات العربية القديمة في الجزيرة العربية. وهذا البحث يحتاج كذلك الى متخصصين في علوم اللغة والعقيدة حتى تظهر الحقيقة للقارئ او للمستمع.

حين تعرَّضْتَ وقلت بأن القران قد أخطأ في استعمال اصطلاح “نصارى” على أتباع المسيح، وكان ألاجدر به ان يستعمل كلمة “مسيحيين” بدلاً منها. وزعمت ان كلمة نصارى تعود إلى مدينة ألناصرة الواقعة في ألجليل ألاعلى من فلسطين المحتلة، وكان يطلق على المسيح عليه السلام مصطلح” ألمسيح ألناصري او يسوع ألناصري” وتطرقت إلى بعض الاستدلالات وغيرها لتبرهن وجهة نظرك في هذا البحث.

في لأمختصر أريد أن أقول في هذا البحث هو اي ألإصطلاحين أدّقُ وأَعمُّ وأصحُّ للإستعمال حتى لا يكون هناك غموض او سوءُ فهم في استعمالهما! تعال نبحث في هذا الموضوع ونرى هل أخطأ القرأنُ لغوياً ومعنوياً في استعماله كلمة النصارى على أتباع السيد ألمسيح عليه السلام؟

أنا بالطبع لا أوافقك ألرأي فيما تقول وتحاول اقناع جمهورك به: فالحجة بالحجة والدليل بالدليل. هذه مدلولاتي للاستعمال القرآني لهذا الاصطلاح، والمدلولات أللغوية من قاموس لسان العرب، وكذلك استعمال الاصطلاح الذي كان معترفاً عليه وسائداً في المجتمعات القبلية في الجزيرة العربية والذي فَهِمَتْهُ واستعْمَلَتْهُ في لغتها وبينها وذلك قبل نزول الوحي بالقران وبعثة محمد عليه ألسلام.

كلمة نصارى هي عربيه ألأصل وجذرها الفعل (نَصَرَ) وهو فعل ماضي وهناك مصادر أخرى لهذا الفعل كثيرة منها: (نصْرْ، أو نّصْرٌ، أنصار، نصارى، استنصار، نصير، وناصر). جاءت هذه الكلمة (نَصَرَ) بمعنى: أعان، وساعد. واشتقت منها كلمة النصر، والأنصار: وهم المسلمون ألأوائل الذين دافعوا عن نبي الاسلام محمد عليه ألسلام ونَصَروهُ وحملوا رسالة ألتوحيد التي حملها أتباع موسى عليه ألسلام وقومه من قبل.

ويأتي منها المصدر كلمه نَصْرٌ: وأمرها (أُنْصُرْ): كما في الحديث ألنبوي ألشريف ” أُنْصُرْ أَخاك ظالماً او مظلوما”. كذلك كلمة: النصير والناصر. فالمصطلح ألقراني: ” نِعْمَ ألمَوْلى ونِعْمَ النَصيرْ ” الذي اسْتُعْمِلَ في سورة الأنفال اية رقم 40 ” وإن تولَّوا فاعلموا أنَّ الله مَوْلاكُمْ نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير “. وفي سورة الحج اية 15 ” من كان يظن أنْ لن يَنْصُرَهُ الله في الدنيا والاخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السماء ثم لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدهُ ما يَغيظْ “. استعمل القران كلمه ” يَنْصُرَهُ الله ” والهاء في الفعل” يَنْصُرَهُ” تعود على سيدنا محمد عليه السلام والفاعل هو الله.

وفي سورة القصص اية رقم 18 ” فأصبح في المدينة خائفاً يَتَرَقَّبْ فإذا الذي اسْتَنْصَرَهُ بالأمس يَسْتَصْرِخُه قال له موسى إنّك لَغَوِّيٌ مبين” “معنى فعل إسْتَنْصَرَهُ: اي طلب العون والحماية. والاستنصار: أي طلب النصرة. والتناصر: أي التعاون على النصر. تناصروا: أي نصر بعضهم بعضا. وتناصرت الاخبار: أي صدّق بعضها بعضا. والنواصر: تعني مجاري الماء الى الاودية. والنواصر: تعني كذلك مسايل المياه ومفردها ” ناصِرة “. ونَصَرَ الغيثُ الأرضَ نصراً: أي أسقاها وأنبتها. وكذلك في نُصْرَةُ البلاد: إذا أمطرت السماء. والمُسْتَنْصِرْ: يعني السائل. والتَنَصُّرْ: تعني الدخول في النصرانية. نَصَّرَهُ: أي جعله نصرانيا.

حينما خاطب المسيح عليه السلام تلاميذه كما ورد في القران لم يقل لهم “اين مسيحيي إلى الله”؟ فقد تبدو انها سخيفة وغير لائقة، بل خاطبهم وسألهم: من أنْصاري إلى الله؟ ثم خاطب ألقران أتباع محمدعليه ألسلام المؤمنين الذين امنوا برسالته ان يكونوا أنصاراً لله كما تتحدث الاية في سورة الصف رقم 14 ” يا أيها الذين امنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فامنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين امنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين”

العرب قبل ألإسلام لم تتعود على إستعمال كلمة (مسيحي او مسيحية) لانها لم تتناسب مع ذوقهم وفهمهم ألدقيق لمعناها أللغوي، خاصّة حين يُشْتَّق ألمصدر من فعلها (مَسَحَ)، لم يرق لذوقهم أللغوي وعبقريتهم في إستعمال المفردات أللغوية كمسيحي أو مسيحيين ملائماً لأتباع عيسى ألمسيح عليه ألسلام. أما بالنسبة للقرأن فقد إستعملها حسب ما تعودت عليه قبائل ألجزيرة العربية قبل الإسلام حين استعملوا الاصطلاح (نصارى). القران نزل بلغة القبائل العربية في الجزيرة واستعمل نفس الاصطلاح حتى يقرب لهم ألمدلول اللفظي والمدلول المعنوي الذي عرفوه وتعودوا على إستعماله. (لسان العرب المجلد الثاني صفحة: 293-298.

كان ألعرب في ألجزيرة العربية وقبل ألإسلام يطلقون كلمه “نصارى” على أتباع السيد ألمسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام، فكانت كلمة نصراني أو نصرانية هي الستعملة بينهم، وليس مسيحي أو مسيحية لأنهم أيقنوا ألفرق في ألمعنى بين ألإصطلاحين. لم تَقُلْ ألعربُ: إسْتَمْسَحْتَ لمن دخل في عقيدة ألمسيحية بل قالوا: تَنَصّرْتَ اي صرت تابعاً للمسيح ولو انه لا يوجد إرتباط بين أللفظين أو ألإصطلاحين في لَفْظيْ (نصارى أومسيحية). ففهموا أن كلمة نصارى تعود على أتباع السيد ألمسيح، أما كلمة مسيحيين فلم تعني لهم شيئاً، ربما شيئاً لا يتناسب مع مفهومهم للكلمة ومعناها في لغتهم.

لا يجوزألإنتساب في الفكر الْعَقَدي لحامل الفكر باسمه الشخصي، بل الأصح هو ألإنتساب إلى الرسالة أو المفهوم الذي حمله وبشّر به. فالعقيدة التي حملها ألمسيح وجاء بها لم تكن أبداً ألمسيحية، بل جاء برسالة ألتوحيد التي حملها وجاء بها موسى عليهما ألسلام من قبله. وموسى لم يقل أو يطلق على ألفكر والعقيدة التي جاء بها (باليهودية). ولا ألمسيح صرّح وقال لأتباعه ان عقيدتكم ودينكم الذي أرْتَضي لكم هو (ألمسيحية أو ألنصرانية). أتحدى أحداً أن يعطينا ألدليل والبرهان على ما أقول! وكذلك محمد عليه ألسلام لم يقل لأتباعه أنّ عقيدتكم ودينكم هي (ألمحمدِّية). بل قال ودعى إلى عقيدة ألتوحيد والإله ألواحد!

اما كلمه: مسيحي اومسيحيين فجذرها الفعل: (مَسَحَ أو يَمْسَحْ) والمصدر منها له عدة وجوه: مسيح او المسيح، الماسح، الممسوح وغيرها من إشتقاقات هذا الفعل. ويقال في دعاء العرب ” مَسَحَ الله عنك ما بك ” اي: أَذْهَبَ عنك البلاءَ والأذى. والمسيح في اللغه العربيه تعني: الصِّدّيق. وبها سُمي المسيح عليه السلام. وتعني كلمه المسيح: كثير الجِماعْ، وكذلك الماسح. ومَسَحَ المرأةَ مَسْحاً: أي نَكَحَكها. ومَسَحَ عُنَقَهُ: أي قَطَعَهْ.

جاء في سورة ” ص اية رقم 33: ” رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق” وفي سورة المائدة أية رقم 6: “يا أيها الذين أمنوا إذا قُمْتُمْ إلى ألصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى ألمرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجُلَكُمْ إلى الكعبين” ومسحه بالسيف: أي ضرب عنقه. والماسح: القتّال. والتَمَسّحْ: الذي يلاينك القول وهو يَغُشُّكْ. والتَمَسُّحْ والتمساح: المارد الخبيث، وقيل الكذّاب الذي لا يُصَدَّقُ أَثَرٌهْ.

والمسيح: تعني المنديل الخشن. والمسيح: تعني الذراع. والمسيح والمسيحية: القطعه من الفضه والدرهم ألأمْلَسْ، ويقال: إمْتَسَحْتُ السيف: أي إستَللْتُه من غِمْدِه. والمسيح: تعني الْعَرَقْ كما قال الشاعر الجاهلي لبيد العامري: ” علا المِسْكُ والديباجُ فوق نُحورِهِمْ – فَراشُ المَسيحِ كالمجان المُنَقّبِ” او المُخَبَّبِ. والازهري ذكر: ان كلمة المَسيحُ في لغه العرب تعني: ألأعور لان عينه ممسوحة وبها سُميَ المسيح ألدجّال. وكلمة المسيح: تعني الْعَرَقْ، كما هو في بيت شعر المتنبي – ابو الطيب: “يا ريَّها وقد بدا مسيحي وابْتَّلَ ثَوْبايَ مِنَ النَضيحِ”. والأمْسَحْ: الذئب ألأزَلُّ. والأمْسّحْ: أعور العين، وكذلك تعني الكذّاب. (لسان ألعرب المجلد الخامس صفحة: 210-212).

وكما ترى في البحث اللغوي والمعنوي الفرق بين ألإصطلاحين وأيهما أصح أن يستعمل وأيهما لا يَضَعُ القارئ في حيرة المعنى وغموض الفهم!

أظن أنني أوضحت، وأشرْتُ للقارئ ما يكفي عن هذين ألإصطلاحين: (نصارى ام مسيحيين) من خلال المدلول اللغوي والمعنوي لهما، وأرجو أن يزيل بعض الشك والجهل في مفهوم ألإستعمال الذي تعوَّد على إستعماله كثير من اتباع المسيح. فكلمة واصطلاح “نصارى، او النصارى” لا يمكن ان تضع من اتباع المسيح وتقلل من شأنهم. بل كلمة مسيحي او مسيحيين هي التي قد تفعل هذا لأن العرب في الجزيرة عرفوا الفرق بين الاصطلاحين، فلم يُطْلِقوا على أتباع المسيح بالمسيحيين، بل أطلقوا عليهم كلمة نصارى وكذلك فعل القران.

أنتم استعملتم كلمة(يسوع) وهذه كلمة أرامية أُدْخِلتْ إلى أللغة ألعبرية وتُنْطَقْ “يَشوعْ” وهو اسم يشير إلى كلمتين “يهو شوع” والمعنى لهذا الإسم هو “ألله يُخلِّصْ” وكان يشوع إبن نون يحمل هذا ألإسم وهو من أسباط بني إسرائيل والذي خلف موسى بعد موته عليه ألسلام. فلماذا لم تستعملوا اسم ألمسيح ألعبري (يشوع) وترجمتموه أو حولتموه إلى “يسوع”؟

أطلق المستشرقون الغربيون في القرون الماضية ألمسلمين اصطلاح (المُحَمَّديون) نسبة الى محمد وتيمنناً بالمسيحيين نسبة الى المسيح عليهما السلام، وهي طريقة اصطلاح يُنْتَسَبُ فيها اسم الشخص إن كان نبيا او رسولا او مصلحا ويحمل فكراً او عقيده. فنسبوا المسلمين الى محمد والمسيحيين الى المسيح وفي حقيقة الامر ان كل رسل الله وانبيائه كانوا حمله لرسالة الوحدانية التي ارتضاها الحق للبشريه وهو دين التوحيد وليس دين الإشراك وتعدد الأله. فَرُسُلُ الله وانبيائه كانوا الواسطه بينه وبين مخلوقاته التي أعطاها حرية اختيار طريق الخير او طريق الشر، طريق الكفر او طريق الايمان، طريق الحق او طريق الباطل.

أما كلمة (كرايست أو كريستو) فهي كلمة يونانية مترجمة من كلمة المسيح أو ألمشيخ وهذا لا يتناسب مع اللفظة ألاصلية للإسم. والغريب انه في جميع قواعد اللغات والمتفق عليها أنه لا يجوز ترجمة أسماء ألعلم، أو حتى الأسماء بالكلية بل تُكْتَبُ كما تُلْفَظْ وكما َوَرَدَتْ في النصوص التي يُرادُ ترجمتها من لغة الى اخرى.

السؤال الذي لم يخطر على بالك ولم تتطرحه لمتابعيك وبدل كلمة نصارى أومسيحيين هو:

لماذا ترجم علماء المسيحية كلمة المسيح/ المشيخ بالعبرانية الى كرايست بالانجليزية او كريستو باليونانية او اللاتينية؟ ثم لماذا لا تتطرح اسئلتك عن السبب او العذر الذي خالفوا فيه قوانين ترجمة ألاسماء في اللغات وعند ترجمة النصوص من لغة الى اخرى؟ هل من الصواب ترجمة أسماء الْعَلَمْ اوأسماءُ الأماكن بالمطلق من لغة إلى أخرى!

أريد أن أنتهز الفرصة وأُضيئَ على بعض ألمسائل التي رأيْتُ فيها فائدة للحوار وللنقاش لكي أُوَضِّحْ بعضاً من أمورعقيدة التوحيد التي نؤمن بها كمسلمين حين نستسلم لوحدانية الخالق. وأنتم كنصارى أو كما تحب أنْ يُطْلَقَ عليكم كمسيحيين حين ابتدعتم عقيدة اختلفت عن عقيدة اليهود التي نادتْ بالتوحيد والتي هي نفسها عند المسلمين! ثم شَكّكْتُمْ في كُنْهِ ألخالقِ وصِفاتِهِ وحُدودِ قُدُراتِه وعِلّمِه: وهل هو حقاً أَعْجَزُ مما نتصور او كما يُصَوِّرُه البعض من أبناء ادم!

المسألة الاولى: التجديف والْتَدْليسُ على الله وعلى المسيح:

لقد لعَنَ اليهود كل من جدّفَ أو دَلَّسَ على الله وشَرَّعوا لذلك حكم الرَّجْمِ او حكم الإعدام! والقران لم يُشِّرعْ رجم او إعدام اولئك الذين امنوا بالمسيح بل اعتبرهم اهل ذمه وعهد. وأنتم غيّرتم عقيدة التوحيد التي أمن بها اليهود من قبل، ثم المسلمون بعدكم حين ابتدعتم عقيدة التثليث وهي في الحقيقة عقيدة ألْتَجْديفِ والْتَدْليسِ على رب ألمسيح وعلى المسيح نفسه وجعلتموه إلاهاً وهو ليس كذلك ولم يصرِّح بما ألْبَسْتُموهُ إيّاه.

في إنجيل متى ألإصحاح ألسابع اية 21 يقول السيد المسيح “ليس كل من يقول لي يا رب، يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات”. ثم يتابع السيد المسيح بتوضيح مسألة الربوبية بكل وضوح في نفس ألإصحاح من انجيل متّى أية 22″ كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس بإسمك تنبأنا وبإسمك أخرجنا شياطين وبإسمك صنعنا قوات كثيرة”.23: فحينئذٍ أصْرُخُ لهم إنّي لم أعرفكم قط. إذهبوا عني يا فاعلي ألإثمْ”

السؤال الذي يجب أن يُطْرَحْ في هذه ألمسْألةِ هو:

إلى من يُشيرُ ألمسيح بخطابه ألتأنيبي في يوم ألقيامة؟ ثم من سَيَطْرُدُ من حوله في ذلك اليوم، أنْتُمْ أم نَحْنْ؟ نحن لم نُشْرِكُهُ مع خالقه ولم نقل عنه أنَّهُ إلهٌ او ابن إله قط! أمّا بالنسبة لليهود فليس لهم شأن في هذا الأمر فهم أنكروا مَسيحَنا ومَسيحَكُم كليةً! لكن أنتم الذين تَدَّعونَ أنكم أتباعَهُ ومُحِبّيه. فهل الخطاب التوبيخي القاسي الذي يشير إلى سَخَطِهِ وغَضَبِهِ على ألذين ساوهُ وأشكروه بالرّبْ: أي مع ألله خالِقِه وخالِقِ كلّ شيئ!

قيل في الماضي وأنتم ما زلتم تقولون عنه أنَّهُ هو ألرّبْ: أي الله. هل توبيخَهُ وسَخَطَهُ وغَضَبَهُ هو للمسلمين أمْ لكم؟

ألمسألة ألثانية: أنتم تقولون إن ألمسيح هو ألله، فعلى ماذا استندتم، وما هو برهانكم؟

إذا كان المسيح هو الله: فلماذا تأخر طوال هذه القرون ألسحيقة والدهور المديدة والعديدة وبعد بَعْثِهِ إلى الأمم السابقة رُسُلَهُ وأنْبيائَهُ، وبعد مُضِىّ وفناء الملايين بل البلايين من خَلْقِهِ من ابناء ادم حين تركهم يؤمنوا بتلك الرسل والانبياء وبوحدانية، ثمّ يقرر بعدها أنْ يَدْخُلَ في رَحِمِ أُنْثى ويقول لك ولي وللبشر هذا أنا هو الله ألمسيح؟

وهل يُعْقُلُ بهذا الخالق العليم الحكيم القدير ان يفعل هذا النوع من الفعل؟ أم أنّهُ حقّاً هو بعكس هذه الصفات: غير عليم وغيرُ حكيمٍ وقدير! ثم يْنتَظِرَ طول هذه الفترة من الزمن دون إهتمامٍ واكتراثٍ لما وقع منه من إرسال رسله وأنبيائه لهداية البشر اليه حتى يكون هو السبب في تضليلهم؟

لماذا لم يقل لموسى حين خاطبه ” بأنني أنا المسيح؟ بدل من أنا يَهْوا ” اي ” أنا هُوَ “؟ هل أراد من ذلك ان يُخْفي على البشرية حقيقة لاهوتيته وناسوتيته كما يدعي اصحاب هذه العقيدة ليضلل عباده ويَضْحَكَ عليهم ويستخِّفَ عقولهم؟ ثم لماذا حَجَبَ وحَجَزَ حقيقته حتى عن كل رسله وانبيائه الذين يُعَدّونَ بالآلاف إلى بني ادم إن كانت حَقَيقَتَهُ واتِّحادِهِ في ألثالوث؟

لماذا أخبر ادم وأعلمه أنه واحدٌ فردٌ صَمَدْ وحمل أحفاد أدم من بعده رسالة الوحدانية والتي بشّرّ بها الأوائل من خلال رسله وانبيائه؟ حين أخبر نوحٍاً وابراهيمَ ويعقوبَ وموسى وعيسى ثم محمدٍاً أنه ألله ألواحد! ولم يقل لهم أنَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ وليس بواحد؟ هل أراد خديعةَ خَلْقِهِ وتَشْكَيكَهُمْ في كَيْنونَتِهِ وكُنْهه؟

هل كان العبرانيين قوم ابراهيم، والاسرائليون قوم يعقوب وإسحاق وداوود وسليمان، وموسى على خطأ في ايمانهم بوحدانية الخالق وربوبيتة وكانوا على كفرٍ وبُعْدٍ عن واقع وحقيقة الاله الواحد؟ ام أنّ أولئك الذين ابتدعوا عقيده التثليث وألوهيه عيسى هم الذين حرّفوا وانْحَرَفوا وضَلّوا وأَضَلّوا كثيراً من أبناء الله وعباده؟

قبل عقيدة التثليث، وقبل الاسلام كانت رسالة موسى لأحفاد العبرانيين واحفاد الاسرائليين وللذين هادوا من قوم موسى وهي رسالة ألوحدانية وعبادة إلهٍ واحدٍ، وخالقٍ مُنَزَّهٌ عن أي حَدَثْ، أثْبَتِتْها ألوصايا العشر التي نزلت على موسى!

ثم جاءت رسالة الاسلام تُثْبِتُ ما كان عليه بنو إسرائيل واليهود قبل المسيح من دين الواحدانية وعدم الشرك بالله. بل نَقَضَتْ وتَبَرَّئَتْ من اي تَجديفٍ وإشراكٍ لله في حَقيقَتِهِ وكُنْهِهِ. واعتبرت عقيدة التثليث إشراكٌ وخروجٌ عن حقيقةِ رب الكون وخالقه ومبدعه!

هل يُعْقَلُ لرب هذا الكون الذي يَّدعي انه خالقٌ ومبدعٌ لكل ما فيه من معجزات وموازين ثابتةً لرعايته وحفظه أن ينزل ويدخل في رحم فتاةٍ صغيرةٍ بلغت ألْحُلُمْ لكي يعيش في رحمها لما فيه من نجاسةٍ ودمٍ ورفثٍ ثم يَخْرُجَ ليقول ما تدَّعون وتَفتْرون على الناس أنَّه اي (الله) وُلِدَ أو أنَّ ذاك المولودُ هو إبن الله أو أنّه هو الله، وهو كذلك الروح القدس؟

وهل يُعْقَلُ في الذي بَرَئَ النَسْمَةَ وفَلَقَ الحبةَ وخلق كل ما ترون في هذه الطبيعةِ وهذا الكون من ايات مُبْهِراتٍ ومعجزاتٍ وحقائق خارقةً تُشاهَدُ بالعين وتعيش مراحلها وجزئياتها البشريةُ من أبناءُ أدم، ثمّ يَكونَ بهذا الضّعْفِ والهَزَلِ والْعَجْزِ كي يدخل في مضيقٍ ضَيِّقٍ وبعدها ياتي لِيَخْرَجُ منه كإنسانٍ ويكون هو الرّب والإلهُ العظيم؟ ثمّ يتساوى مع خَلْقِهِ في تَكَّوِنَه من نُطْفَةٍ ومُضْغَةٍ ثم عَلَقَةٍ ثم عَظْمْاً ولَحْماً وأورِدَةً وخلايا في رَحِمِ مريم عليها السلام فيُولَدُ مثلما وُلِدَ كلُّ واحدٍ منّا ويقولُ عن نفسه أنه ربُّ الكون وخالقهِ ومُبْدِعه؟

هل يُعْقَلُ هذا التَصوّرُ أو الْتَدَبُّرُ لهذا الخالق في أن نَضَعَهُ في المكان الغير لائقٍ به ونُجَدِّفَ عليه ونُدلِّسْ؟ وهل يُعْقَلُ بهذا ألخالق ان يَتَنَزَّلَ من عليائه ويُبَرْهِنَ للناس الذين خلقهم من لاشيء ومن ذرات التراب ويُخْبِرَهُمْ أنّه مثلهم إنسانٌ يأكلُ ويشربُ حين يجوع ويعطش! ثمَّ يُخْرِجْ! ينامُ ويستريحُ حين يتعب! ثم يندم ويحزن ويُشَكِّكَ في نفسه! ثم يَتَألّمْ ويبكي ويُناقِضَ حقيقةَ كَيْنونَتِهِ كإلِهٍ وربٍ وخالقٍ لكلّ شيءٍ وأن يكون هو نفسه الشيء كمخلوق؟

كيف يرضى لنفسه أن يُشْتَمَ ويُذَلَّ ويُهانَ ويُبْصَقَ عليه، ثمّ يُضْرَبُ ويُصْلَبُ ويُعَذَّبُ حتى يُبَرْهِنَ لنا نحن ألأغبياء من البشر أنَّهُ إلهٌ عظيمٌ وخالقٌ مُطْلَقٌ في خَلْقِهِ وإبْداعِهِ! لماذا كل هذا التضليل والخداع والكذب على البشرية وهو المفروض أن يكون هو المُنَزَّهُ عن كل حَدَثْ؟ ألم يكن هو الذي خلق من الشيء او من اللاشئ ومن العدم مخلوقاً يَسْمَعُ ويُفَكِّرُ ويَبْتَكِرُ ويُنْتِجُ دونما تعبٍ أو عناءٍ حين يقول لأي شيء يُريدُهُ كن فيكون؟

لماذا يريد أن يُضَلِّلَنا ويَفْتِنَنا ثم يَدَّعي أنهُ خالقٌ عظيمٌ وقادرٌ جليل، حكيمٌ وعالمٌ بكل شيء، ثم يختار طريق الأغبياءِ ومَسْلكَ البُلَهاء لِيُبَرْهِنَ لنا أنّه إلهٌ بِدُخولِهِ وحُلولِهِ وخُروجِهِ من مكان شبيهٍ بالذي أُوْجِدْنا فيه ومن مثله خَرَجَتْ كل مخلوقاته المتنوعه والمختلفه من بشر وحيوان، ويقول لنا انه مصنوع من لحمٍ ودمٍ وعظامٍ وأنْسِجَةٍ وعنده أحساسينا ومشاعرنا واحتياجاتنا ويُناقِضُ جَلالَهُ وقُدْرَتَهُ حين قرر حسب مفهوم الذين ضَلّوا وأَضِلّوا أنَّهُ ” إلهٌ وإنسانٌ في نفس الوقت”؟

كان الأحرى والأجدر به منذ بداية الخلق والخليقة ان يكشف عن كُنْهِهِ وحقيقةِ نفسه ويُخْبِرَنا أنَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ، أو إلهٌ في ثلاثةِ اشخاص: (في ناسوتٍ ولاهوتٍ وروحُ قدسْ)، وحدةٌ في إلهٍ واحدٍ غير مُنْفَصِلٍ أو مُتَجَزِّأْ! ولا يمكن الفصل بينهم او تفريقهم الثلاثةُ عن بعضهم وفي نفس الوقت الثلاثةُ هم إلهٌ واحدٌ موحدٌ في جلالهِ وفي عظمته؟

كيف بلاهوت أن يدخل بناسوت ثم يختلطا؟ وهل روح أللاهوت تختلف عن الروح القدس؟ ثم هل لكل شخص من اشخاص الثالوث أرواح مختلفة؟ أمأ أنّ لهم نفس ألروح يشتركون بها؟ والسؤال هو

من خَلَطَهُما وأينَ؟ وكيفَ؟ ومن بعث الروح في اللاهوت ودخلت الناسوت؟ ومن أين أتَتْ؟ وكيفِ أتَتْ؟ ومن اتى بها وأرادها كذلك؟ هل هذا الخالق المبدع العليم الحكيم ضغظ كينونته وصار بحجم راس الدبوس ثم دخل في جسد العذراء ألصغير؟

أردتم ان تُخْبِرونا وتُعْلِمونا أن ما كان عليه الاولين من البشر ومن خلال رسلهم وانبيائهم انهم كانوا على خطأ حين امنوا بالإله الواحد الْمُنَزّه عن أي حَدَثْ. ,وادّعَيْتُمْ أنكم على الحق حين جعلتم الإله الواحد ثلاثةٌ في واحد! وتُريدونَ أن تَحْرِفوا عقولنا وحتى ضمائِرنا كي نقول وندعي ونُجَدِّفَ على رب الكون ومُبْدِعِهِ كما تدّعون أنَّهُ “مخلوق” تعالى الله عما تصفون!

أين عقولكم النيرة، وافكاركم المحلّلة المتدبرة في قدرات الإله وعظمة الإله وجلال الإله! خاصَّةً حين ينظر الانسان منا ومنكم الى نفسه ويرى انه يحمل عقلا باحثًا ومحلّلاً ويتيقن أنه أصغر من رأس دبوس قياسا بسعة هذا الكون، وانه خُلِقَ ولم يَخْلُقْ نفسه! وأنّه ضعيفٌ أمام أيِّ مرضٍ أو إبتلاء! وهو في نفس ألوقت أَقَلُّ وأّذَلُّ من أن يَتَهِّمَ ويُدَلِّسَ ويُكَذِّبَ ويُجَدِّفّ على من خلقه وأوجده من لا شيء، أن يكون مثله أو شَبيهَهُ، أو أن يكون نَظيراً أو مساوياً له في أي شيء؟

العقل الحُرُّفي تفكيره والمُتَدَبِّرُفي تحليله وموضوعيته حين ينظر إلى ما حوله من مخلوقات لا يمكن أن يشتري هذه البضاعة ويقول أنَّ الله عَجِزَ او عاجزٌ ان يُنْقِذَ البشريه التي خلقها بعلمه وقُدرته، وأن يمحو ويعفو عن خطاياها وذنوبها من دون عناءٍ او تعبٍ أو إجهاض؟ وليس كما تدّعون فقط عن طريق قتل أو صلب ابنه البريء ألمعصوم! ثم يعجزعن فعل ذلك ويُغَيِّرُ إستراتيجيّتِه ويضع للبشرية نظرية جديدة لِيُبَرْهِنَ لنا أنّ الطريقةَ الوحيدةَ للإيمانِ هي أنْ يَجْعَلَ من إنسانٍ مثل المسيح عليه ألسلام كَبْشَ فداءٍ لعَجْزِهِ وضَعْفِهِ. وأنَّ هذا هو السبيلُ الوحيدُ لكي يُخْرِجَ البشرية من ذُنوبها واثامِها وخَطاياها! أهذا حقا هو الإله في أعينكم وأنتم ترون عَظَمَتهُ، وتَسْمَعونَ بأذانكم وتُفَكِّرونَ بعقولكم التي تحلل وتُبْدِعْ وتَخْتَرِعْ ولا تَصِلونَ إلى حقيقة هذا ألخالق والمبدع؟

كل شيء في هذا الكون يمجّدهُ ويجلّلهُ ويُحمِّدِهُ ويُؤْمِنْ أنَّه إلهٌ وربٌ عالمٌ حكيمٌ وقادرٌ ورحيمٌ إلّا أنتم! تُريدونَ ضلال أنْفُسِكُمْ وضَلالَ الاخرين من البشر الذين اتَّبعوكُمْ على هذا الطريق واعتقدوا غير الحق وغيرالواقع وصاروا الْسِنةَ خِداعٍ وتزويرٍ لحقيقةِ وكُنْهِ الله رب السماوات السبع ورب كل شيء!

كيف وصلت عقولكم الى هذا الطريق واتَبَعْتُمْ الباطل وقُلْتُمْ على الله ما ليس فيهِ ولا بِهِ! لا يَسَعُنا إلاّ أن نَضْرَعَ إلى هذا إلإله الواحد ألأحد الفرد الصمد أنْ يُنيرَ أبصارَكُمْ وبَصائِرَكُمْ ويَفْتَحَ مَغالِقَ عُقولَكُمْ ويَهديَكُمْ إلى سبيل الرُّشدِ والرّشادِ وإلى طريقِ الحكمةِ واّتباع الحق!

وأخيراً أريد ان اقول أإلهٌ يُخْتَبَرُ ويُمْتَحَنُ من مخلوقٍ كالشيطان وتقولون عنه أنّه إله! أإلهٌ لا يعرف موعد الثمر في شجرةِ التين فَيَلْعَنُها لأنها لم تُطْعِمْهُ حين إنتهى من إمتحان ألشيطان حين أصْبَحَ جائعا! أإلهٌ يقول لمن تَبِعَهُ وامن به أنّهُ سَيَمْكُثُ في بطن الأرضِ ثلاثة أيامٍ وثلاثةَ ليالٍ ونَسِيَ أن يقول أنّهُ سيكون ميتا وذلك حين ضَرَبَ لهم مَثَلُ يونس حين الْتَقَمَهُ الحوت ثلاثةَ ايامٍ وثلاثة ليالٍ لكِّنَّ يونُسَ في بطن الحوت كان حياً وليس ميتاً! وكيف يَنْسى هذا الإلهُ وهو القادر المُتَحَكِّمِ في أمورِ خَلْقِهِ ومَخْلوقاتِهِ، ثم يُصْلَبُ بعد تعذيبٍ وإهانةٍ ويُخْرِجَ الرّوحَ على الصليب مُخاطِباٍ من خلقه بالارامية وكما جاء في إنجيل متى ألإصحاح 46:27 حين قال:” إلهي … إلهي …لِمَ تَخَلّيْتَ عَنّي؟ “

والسؤال الأخير الذي أريد أن أطرحه هوإستعمال المنطق والتحليل الموضوعي: أيُّها أقْرَبُ للعقل المُتَّزِّنْ وإلى المنطق الْمُجّرَّدْ: أإلهٌ واحدٌ ام ألةٌ متعددةٌ ومتفرقةٌ؟ وهل يُعْقَلُ ان يَنْقَسِمَ ألإلهُ الواحدُ الى ثلاثةِ الهةٍ اوأكثر وهل في هذا منطق وحكمة ويمكن ان يقبلها عقل مُتَزِّنْ وفِكْرٍ محللْ!

كان ألإجدر قبل أن تنتقدوا ألأخرين في عقيدتهم ومحاولة إستفزازهم وانتقادهم في مفاهيمهم ألدينية وعقيدتهم ألصحيحة أن تنظروا وتتمحصوا في مفاهيم عقيدتكم ألتي خالفت دين ألفطرة ودين كل انبياء ورسل ألله، وحتى مفهوم المنطق حين تتحدثون عن خالق الكون ومُبْدِعهِ.

لا تكونوا كالذين وصفهم المسيح عليه ألسلام في إنجيل لوقا 41:6 ” لماذا تنظر ألقذى ألذي في عين أخيك، وأما الخشبة ألتي في عينك فلا تفطن لها” وفي إنجيل متى 5:7 ” يا مُرائي أخرج ألخشبة من عينك وحينئذٍ تبصر جيداً أن تُخْرِج ألقذى من عين أخيك” ومحمد عليه ألسلام قال في نفس ألسياق:”يبصرُ أحدكم ألقذى في عين أخية وينسى ألجِدْعَ في عينه”

اسماعيل شعبان